أفضل الأعمال العربية على نتفليكس: سينما تحكي بلهجاتها وتصل إلى العالم

أفضل الأعمال العربية على نتفليكس: سينما تحكي بلهجاتها وتصل إلى العالم

لم تعد المنصات العالمية، وعلى رأسها نتفليكس، مجرد نافذة لعرض الأعمال الأجنبية على الجمهور العربي، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى مساحة حقيقية لعرض القصص العربية بلغتها الأصلية ولهجاتها المتنوعة، دون تنميط أو تبسيط. من عمّان إلى بيروت، ومن فلسطين إلى سوريا، تشقّ السينما العربية طريقها نحو جمهور عالمي، حاملةً معها أسئلة الهوية، والعدالة، والذاكرة، والسلطة، والحياة اليومية كما تُعاش لا كما تُختزل.

ما يميز أفضل الأعمال العربية على نتفليكس ليس فقط جودة الإنتاج، بل الجرأة في السرد، والصدق في اللهجة، والقدرة على تحويل تفاصيل محلية جدًا إلى تجارب إنسانية شاملة. في ما يلي قراءة صحفية لأبرز هذه الأعمال، ولماذا تستحق المشاهدة والتوقف عندها.


مدرسة الروابي للبنات

اللهجة: الأردنية
المدة: 6 حلقات – 50 دقيقة للحلقة

منذ عرضها الأول، أثارت مدرسة الروابي للبنات جدلًا واسعًا، ليس بسبب جرأتها فحسب، بل لأنها كسرت صورة نمطية طالما أحاطت بالأعمال الشبابية العربية. تدور الأحداث في مدرسة خاصة راقية في عمّان، حيث نتابع قصة مريم، الطالبة المتفوقة التي تتحول إلى هدف لحملة تنمّر قاسية تقودها مجموعة من زميلاتها.

العمل، من إخراج وكتابة تيما الشوملي، لا يكتفي بعرض التنمّر بوصفه مشكلة فردية، بل يربطه ببنية اجتماعية كاملة: الصمت، الخوف من الفضيحة، تواطؤ المؤسسات، وضغط السمعة. وما يميز المسلسل أنه لا يمنح المشاهد راحة أخلاقية سهلة؛ فحين تقرر مريم الانتقام، يصبح السؤال معقدًا: أين تنتهي العدالة ويبدأ العنف؟

لغة المسلسل، باللهجة الأردنية الصريحة، كانت بحد ذاتها خطوة جريئة، منحت العمل مصداقية وقرّبته من الواقع. وبين لحظات صادمة وأخرى ساخرة بذكاء، يثبت مدرسة الروابي للبنات أن الدراما الشبابية يمكن أن تكون عميقة، مزعجة، وضرورية في آن واحد.


الهيبة

اللهجة: اللبنانية
المدة: 30 حلقة – 40 دقيقة للحلقة

يُعد الهيبة واحدًا من أكثر المسلسلات العربية مشاهدة وانتشارًا في العقد الأخير. تدور أحداثه في بلدة خيالية على الحدود اللبنانية السورية، حيث تسيطر عائلة نافذة على تجارة السلاح والتهريب، وفق منظومة صارمة من الشرف، والسلطة، والولاء.

تبدأ القصة بعودة أرملة أحد أبناء العائلة من كندا لحضور الجنازة، لتجد نفسها عالقة في عالم تحكمه قوانين لا تشبه ما عرفته من قبل. ومن هنا، ينفتح المسلسل على شبكة معقدة من العلاقات العائلية، والصراعات الذكورية، والأسئلة حول الإرث والهوية والانتماء.

قوة الهيبة لا تكمن فقط في حبكته المشوقة، بل في قدرته على تقديم اللهجة اللبنانية الريفية بواقعية نادرة، بعيدًا عن التجميل أو التهذيب. وبفضل عرضه على نتفليكس مع ترجمة إنجليزية، تجاوز المسلسل جمهوره التقليدي، ليصبح نافذة لكثيرين على الدراما اللبنانية الحديثة بكل تناقضاتها.


عزيزة

اللهجة: السورية
المدة: 13 دقيقة

في زمن تعج فيه الشاشات بالمشاهد الصاخبة، يأتي فيلم عزيزة ليذكّرنا بقوة الهمس. هذا الفيلم القصير للمخرجة السورية سؤدد كعدان هو عمل مكثف، حميمي، ومؤلم، يختصر تجربة اللجوء والاقتلاع في رحلة سيارة واحدة.

يتتبع الفيلم زوجين سوريين يقودان سيارتهما في شوارع بيروت، حيث تتداخل ذكريات حياتهما السابقة في سوريا مع واقعهما الحالي كلاجئين. السيارة، التي تحمل اسم “عزيزة”، تصبح مساحة نفسية تتفجر فيها الأحلام، والكوابيس، والحنين.

عُرض الفيلم في مهرجان صاندانس السينمائي، وهو متاح على نتفليكس بترجمة عربية وإنجليزية. عزيزة ليس فيلمًا سياسيًا بالمعنى التقليدي، لكنه إنساني إلى حد موجع، ويثبت أن أقصر الأفلام قد تكون الأعمق أثرًا.


الهدية

اللهجة: الفلسطينية
المدة: 24 دقيقة

ببساطة قاسية، يروي فيلم الهدية للمخرجة فرح نابلسي قصة أب فلسطيني وابنته الصغيرة وهما يحاولان شراء هدية ذكرى زواج للأم من بيت لحم. رحلة قصيرة تتحول إلى اختبار طويل للكرامة والصبر، بفعل الحواجز والإجراءات العسكرية.

الفيلم لا يرفع صوته، ولا يشرح، ولا يعلّق. يكتفي بأن يضع الكاميرا في المكان الصحيح، ويترك التفاصيل اليومية للاحتلال تتكلم بنفسها. وجود الطفلة يضيف بعدًا مؤلمًا، إذ تتحول المعاناة إلى تجربة موروثة، تُنقل من جيل إلى آخر دون كلمات.

الهدية كان ضمن المنافسة على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم قصير، وهو متاح على نتفليكس عالميًا. إنه مثال على كيف يمكن للسينما القصيرة أن تكون سياسية بعمق، دون أن تكون خطابية.


رمان ومر

اللهجة: الفلسطينية
المدة: ساعة و34 دقيقة

في أول أفلامها الروائية الطويلة، تقدم المخرجة نجوى نجار عملًا شاعريًا عن الحب، والأرض، والفقد. رمان ومر يحكي قصة كَمر، راقصة معاصرة، وزوجها زيد، مزارع الزيتون، اللذين يحاولان بناء حياة مشتركة تحت وطأة الاحتلال.

حين تصدر أوامر بمصادرة أرض عائلة زيد، يتصدع عالمهما الهادئ. لكن الفيلم لا يختزل الصراع في السياسة وحدها، بل يتتبع أثره على الجسد، والعلاقة الزوجية، والقدرة على الاستمرار.

الرقص هنا ليس زينة فنية، بل لغة مقاومة، في مقابل الأرض التي تمثل الجذور والذاكرة. رمان ومر فيلم هادئ، متأنٍ، يرفض الميلودراما، ويمنح الشخصيات مساحتها الكاملة للتنفس والألم.


لماذا تستحق هذه الأعمال المشاهدة؟

لأنها لا تحاول تمثيل “العرب” ككتلة واحدة، بل تحتفي بالتعدد: لهجات مختلفة، قضايا متباينة، وأساليب سرد متناقضة أحيانًا. هذه الأعمال لا تُقدَّم بوصفها شروحات ثقافية للآخر، بل كقصص صادقة نابعة من الداخل.

وهي، في الوقت ذاته، فرصة ثمينة لغير الناطقين بالعربية للاستماع إلى اللغة كما تُستخدم في الحياة اليومية، بكل موسيقاها واختلافاتها.


في الختام
هذه ليست مجرد “أفلام ومسلسلات عربية على نتفليكس”، بل شهادات بصرية على مجتمعات تتغير، وتقاوم، وتحكي قصصها بلغتها الخاصة. أعمال تثبت أن السينما العربية، حين تُمنح المساحة، قادرة على الوصول إلى العالم دون أن تفقد روحها.

Scroll to Top