
لا يشبه أمير المصري الصورة النمطية للممثل الساعي إلى النجومية بقدر ما يشبه فنانًا يبحث عن موقعه داخل الحكاية نفسها. فمنذ بداياته الأولى، بدا واضحًا أن التمثيل بالنسبة له لم يكن وسيلة للظهور أو الاستعراض، بل أداة لاكتشاف الذات والعالم، ومساحة لطرح الأسئلة قبل تقديم الإجابات. اختياراته الفنية، على الدوام، كانت محكومة بسؤال جوهري: ماذا ستضيف هذه الشخصية إلى رحلتي، وماذا سأضيف أنا إليها؟
تكوين متعدد الثقافات وهوية لا تذوب
وُلد أمير المصري في مصر، لكن مسيرته الفنية تشكّلت بين ثقافات متعددة، وهو ما انعكس بوضوح على حضوره وأدائه. هذا التداخل بين الحس الشرقي والانضباط الغربي منحه خصوصية نادرة، جعلته قادرًا على التنقل بسلاسة بين السينما المستقلة والإنتاجات العالمية، وبين الأدوار الصغيرة ذات الأثر الكبير والشخصيات المركبة ذات الأبعاد النفسية العميقة.
وعلى عكس كثيرين، نجح المصري في العبور إلى السينما العالمية دون أن يفقد هويته أو يقع في فخ الصور النمطية، ليصبح واحدًا من قلة من الممثلين العرب الذين استطاعوا تثبيت أقدامهم دوليًا مع الحفاظ على صوتهم الخاص.
«Giant»… تحدٍ إنساني قبل أن يكون جسديًا
في فيلمه الجديد «Giant»، يخوض أمير المصري تجربة مختلفة، من خلال تجسيد شخصية حقيقية من عالم الملاكمة، ذلك العالم القاسي الذي لا يرحم، لكنه في الوقت ذاته مليء بحكايات الصعود والسقوط، والانتصار على الذات قبل الخصم.
الفيلم لا يراهن على القوة الجسدية وحدها، بل يتعامل مع الشخصية بوصفها كيانًا نفسيًا واجتماعيًا معقدًا. وهو ما جعل التجربة محطة فارقة في مسيرة المصري، كما يصفها بنفسه.
لماذا «Giant»؟
عن سبب انجذابه إلى العمل، يقول أمير المصري في حديثه لـ«العربية.نت» إن ما جذبه منذ القراءة الأولى هو أن الفيلم لا يقدّم مجرد قصة رياضية تقليدية، بل حكاية إنسان يحاول أن يجد مكانه في عالم لا يتقبل الاختلاف بسهولة.
ويضيف: «الشخصية كانت مليئة بالأبعاد النفسية والاجتماعية، وشعرت أنني أمام تحدٍ إنساني حقيقي، وليس مجرد دور يتطلب مجهودًا بدنيًا».
تجسيد شخصية حقيقية… مسؤولية مضاعفة
تقديم شخصية حقيقية، كما يؤكد المصري، يحمل ضغطًا مختلفًا:
«أنت لا تمثل فقط، بل تتحمل مسؤولية تجاه إنسان عاش حياة كاملة، بتجاربها ومخاوفها وضعفها. لذلك حرصت على البحث العميق، ومحاولة الوصول إلى الجوهر، لأنني لا أؤمن بالتقليد السطحي».
هذا الالتزام انعكس في الأداء، حيث بدت الشخصية نابضة بالصدق، بعيدة عن الكليشيهات المعتادة في أفلام السيرة أو الرياضة.
تحضيرات شاقة وتحوّل جسدي كامل
يتطلب «Giant» مجهودًا بدنيًا كبيرًا، وهو ما فرض على أمير المصري استعدادات قاسية، شملت تدريبات يومية مكثفة وتغييرًا كاملًا في نمط حياته لفترة طويلة.
ويكشف: «الجسد جزء أساسي من الأداء، وعندما يتغير الجسد، يتغير الإحساس بالشخصية تلقائيًا»، مشيرًا إلى أنه فقد نحو 7 كيلوغرامات من وزنه خلال فترة التحضير.
العمل في إنتاج عالمي… تجربة مختلفة
عن تجربته في العمل ضمن إنتاج دولي بهذا الحجم، يصفها المصري بأنها تجربة ثرية على المستويين الفني والإنساني، مشيرًا إلى الانضباط العالي والاهتمام الدقيق بالتفاصيل، إلى جانب إتاحة مساحة حقيقية للممثل للمشاركة برأيه في البناء الإبداعي.
أما عن تعاونه مع المخرج البريطاني روان أثالي، فيؤكد أن التجربة كانت ملهمة، قائلًا: «هو مخرج شغوف بالفكرة، وكان يدفعنا دائمًا لتقديم أفضل ما لدينا. شعرنا طوال الوقت أننا نعمل على قصة صادقة تستحق أن تُروى».
كما أشار إلى أن وجود سيلفستر ستالون كمنتج مشارك أضاف ثقلًا خاصًا للعمل، معتبرًا أن اسم ستالون لا يرتبط إلا بمشاريع يؤمن بها حقًا.
السينما العالمية والعرب… مساحة تتسع ببطء
وحول فرص الممثلين العرب في السينما العالمية، يرى أمير المصري أن هناك انفتاحًا أكبر مقارنة بالماضي، لكنه لا يزال يتطلب صبرًا وجهدًا مضاعفًا.
ويشدد: «الأهم أن نكون حاضرين بأصواتنا الحقيقية، لا أن نذوب في قوالب جاهزة أو صور نمطية».
ممثل بين عالمين دون تصنيف
عند سؤاله عن موقعه اليوم بين السينما العربية والعالمية، يرفض المصري وضع نفسه داخل تصنيف محدد، مؤكدًا أن ولاءه الحقيقي للفن والقصة الصادقة، بغض النظر عن الجغرافيا.
«ما يهمني هو الدور الجيد والحكاية الصادقة، سواء هنا أو هناك»، يقول.
رسالة «Giant» للجمهور
يرى أمير المصري أن «Giant» يحمل رسالة تتجاوز الرياضة والمنافسة، متمنيًا أن يخرج الجمهور من الفيلم بإحساس أعمق لمعنى القوة الحقيقية.
«القوة ليست في العضلات فقط، بل في القدرة على الاستمرار، ومواجهة النفس قبل أي شيء آخر».
خطوات محسوبة ورحلة طويلة
في ختام حديثه، يؤكد أمير المصري أنه لا يتعجل خطواته المقبلة، مؤمنًا بأن التراكم أهم من السرعة، وأن الرحلات الطويلة تحتاج إلى قرارات صادقة، حتى وإن بدت صعبة في لحظتها.
بهذه الرؤية الهادئة، يواصل أمير المصري شق طريقه كممثل لا يلهث خلف الضوء، بل يسير بثبات نحو أدوار تترك أثرًا، وتمنح الفن معناه الأعمق.
