
في شوارع أثينا الخلفية، بعيدًا عن الصور السياحية المألوفة، تدور أحداث فيلم «إلى أرض مجهولة» للمخرج الفلسطيني مهدي فليفل. فيلم قاسٍ في صدقه، عارٍ من التجميل، يضع المشاهد أمام واقع اللاجئ الفلسطيني حين يُجبر على العيش في الهامش، لا كحالة إنسانية عابرة، بل كوجود دائم محفوف بالخذلان والخسارة.
الفيلم لا يبدأ من سؤال الهوية، بل من جرح مباشر: لاجئ فلسطيني يُسرق، يُخدع، ويُترك بلا خيار. من هذه اللحظة، تنطلق الحكاية، لا بوصفها قصة انتقام تقليدية، بل كتشريح بطيء لحالة إنسانية وصلت إلى حافة الانفجار.
أثينا: مدينة لا تُشبه الحلم الأوروبي
اختيار أثينا ليس تفصيلاً جغرافيًا عابرًا. المدينة هنا ليست بوابة خلاص، بل مساحة انتقالية معلّقة، مكان لا يمنح الأمان ولا يسمح بالعودة. في الأزقة الضيقة، والشقق المكتظة، ومقاهي الظل، يعيش اللاجئون على هامش القانون والمجتمع، محاصرين بوهم “العبور” الذي قد لا يأتي أبدًا.
فليفل يصوّر أثينا كما هي في عيون من لا يملكون امتياز الانتماء إليها: مدينة باردة، قاسية، ومليئة بالوعود الكاذبة. الكاميرا لا تبحث عن الجمال، بل عن الحقيقة، حتى حين تكون مؤلمة.
بطل بلا بطولات
الشخصية الفلسطينية المحورية في الفيلم لا تُقدَّم كبطل كلاسيكي. لا خطب رنانة، ولا ماضٍ بطولي يُستدعى لتبرير أفعاله. هو إنسان عادي، منهك، يعيش على الحافة، يحلم بالنجاة أكثر مما يحلم بالعدالة.
عندما يتعرض للخداع على يد مهرّب، لا يكون الأمر مجرد خسارة مادية، بل انهيارًا لما تبقى من الثقة. المال المسروق هو أمل مؤجل، وخريطة طريق، وفرصة للهروب من حياة بلا أفق. وحين يُنتزع هذا الأمل، يصبح الانتقام فعلًا وجوديًا، لا أخلاقيًا.
الانتقام كفعل يائس
«إلى أرض مجهولة» لا يمجّد الانتقام، ولا يدينه بشكل مباشر. يضعه في سياقه الإنساني: ماذا يفعل الإنسان حين تُسلب منه كل الخيارات؟ حين لا تحميه دولة، ولا يعترف به قانون، ولا يراه المجتمع إلا كعبء؟
رحلة الانتقام في الفيلم ليست تصاعدًا دراميًا تقليديًا، بل مسارًا متعرجًا مليئًا بالتردد والخوف. كل خطوة نحو المواجهة تكشف هشاشة البطل أكثر مما تكشف قوته. العنف هنا ليس قوة، بل علامة على الانكسار.
كتابة تُمسك بالهامش
كتب الفيلم كل من مهدي فليفل وفيصل بوليفة وجيسون ماكولغان، وتظهر هذه الشراكة في حساسية النص وقدرته على التقاط التفاصيل الصغيرة. الحوار مقتصد، وأحيانًا يبدو عابرًا، لكنه يحمل ثقلًا نفسيًا كبيرًا. الصمت، كما في كثير من أفلام فليفل، ليس فراغًا، بل لغة قائمة بذاتها.
السيناريو لا يشرح، ولا يبرر، ولا يقدّم خلفيات مطوّلة. يترك الشخصيات تتصرف كما يفعل البشر الحقيقيون: بخطأ، بارتباك، وبقرارات غير مثالية.
أداء تمثيلي يخدم القسوة
يقدّم محمود بكري أداءً داخليًا متماسكًا، يعتمد على النظرات وحركة الجسد أكثر من الكلمات. شخصيته تحمل غضبًا مكبوتًا لا ينفجر دفعة واحدة، بل يتسرّب تدريجيًا، ما يجعل التحوّل أكثر إيلامًا وصدقًا.
أنجيليكي بابوليا تضيف بعدًا إنسانيًا معقدًا للفيلم، بعيدًا عن التنميط أو دور “المنقذة”. وجودها يساهم في كشف هشاشة العلاقات التي تنشأ في الهامش، حيث لا شيء ثابتًا، ولا أحد في مأمن.
أما منال عوض، فتقدّم حضورًا صامتًا لكنه مؤثر، يعكس واقع النساء في فضاءات اللجوء، حيث التهميش مضاعف، والصوت غالبًا مؤجل.
السينما كأداة مواجهة
مهدي فليفل ليس مخرجًا يبحث عن راحة المشاهد. أفلامه، ومنها «إلى أرض مجهولة»، تُجبرك على النظر مباشرة إلى ما نفضّل تجاهله. هنا، اللجوء ليس ملصقًا إنسانيًا، بل حياة يومية مليئة بالصفقات المشبوهة، والاستغلال، والعنف الرمزي والمباشر.
الفيلم لا يقدّم حلولًا، ولا ينتهي بخلاص واضح. “الأرض المجهولة” في العنوان ليست فقط مكانًا جغرافيًا، بل حالة دائمة يعيشها اللاجئ: لا هنا، ولا هناك، عالق بين حدود لا يملك حق عبورها.
بعيدًا عن الخطاب السياسي المباشر
رغم أن الفيلم فلسطيني الهوية، إلا أنه لا يعتمد على الخطاب السياسي التقليدي. القضية حاضرة، لكنها متجسدة في الجسد، في التعب، في نظرة الإحباط. هذا الاختيار يمنح العمل قوة عالمية، ويجعل قصته قابلة للفهم والتعاطف خارج السياق الفلسطيني وحده.
هنا، فلسطين ليست شعارًا، بل جرحًا مفتوحًا يسافر مع صاحبه حيثما ذهب.
العنوان كخلاصة فلسفية
«إلى أرض مجهولة» ليس وعدًا بالوصول، بل توصيف لحالة مستمرة. الأرض المجهولة قد تكون أوروبا، أو العودة، أو حتى المستقبل نفسه. المجهول هنا ليس مغامرة، بل قدر.
العنوان يلخّص شعور اللاجئ الذي يسير دائمًا إلى الأمام، لا لأنه يعرف الطريق، بل لأنه لا يستطيع التوقف.
خلاصة
«إلى أرض مجهولة» فيلم ثقيل، لكنه ضروري. لا يطلب التعاطف، ولا يسعى إلى استدرار الدموع، بل يضع المشاهد أمام حقيقة عارية: ماذا يعني أن تعيش بلا حماية، بلا أفق، وبلا يقين؟
بإخراج صارم، وكتابة دقيقة، وأداء تمثيلي صادق، يقدّم مهدي فليفل عملًا سينمائيًا يرفض التبسيط، ويمنح الهامش صوتًا، حتى لو كان هذا الصوت مكسورًا وغاضبًا.
إنه فيلم عن اللاجئ، نعم، لكنه قبل كل شيء فيلم عن الإنسان حين تُسلب منه الأرض، ويُترك وحيدًا في مواجهة المجهول.
