«صوت هند رجب»: حين تتحول الاستغاثة إلى ذاكرة سينمائية

صوت هند رجب»: حين تتحول الاستغاثة إلى ذاكرة سينمائية

ليست كل الأفلام تُصنع للعرض فقط. بعض الأعمال تولد من الحاجة إلى التوثيق، إلى الحفظ، إلى مقاومة النسيان. فيلم «صوت هند رجب» ينتمي إلى هذا النوع من السينما؛ سينما الضرورة الأخلاقية، حيث يصبح الصوت بديلاً عن الجسد، والذاكرة فعل مقاومة في وجه المحو.

الفيلم، الذي يستلهم قصته من مأساة الطفلة الفلسطينية هند رجب، لا يسعى إلى إعادة تمثيل الحدث بقدر ما يحاول الإنصات إليه. هنا، لا تتقدم الكاميرا لتشرح أو تفسر، بل لتُصغي. الصوت هو البطل، والصمت شريك أساسي في السرد.

حكاية معروفة… ولكن غير مستهلكة

قصة هند رجب معروفة في تفاصيلها الأساسية: طفلة عالقة في سيارة محاصَرة، تتواصل عبر الهاتف، تطلب النجدة، تنتظر، ثم ينقطع الصوت. لكن «صوت هند رجب» لا يعيد سرد المأساة كما عرفها الجمهور عبر الأخبار العاجلة ووسائل التواصل الاجتماعي. على العكس، يتعامل الفيلم مع القصة كجرح مفتوح، لا كخبر منتهٍ.

بدلاً من الاستعانة بمشاهد مباشرة أو صور صادمة، يختار العمل أن يبني عالمه السينمائي حول أثر الصوت: صوت طفلة، صوت أنفاس، صوت خوف، ثم الفراغ. هذا الاختيار الجمالي ليس بريئًا، بل يحمل موقفًا واضحًا: ما لا يُرى لا يعني أنه لم يحدث، وما لا يُصوَّر لا يقل حقيقة.

الصوت كوثيقة

في «صوت هند رجب»، يتحول الصوت إلى وثيقة. ليس مجرد عنصر تقني، بل دليل وجود. الفيلم يدرك أن صوت هند، المسجّل في لحظة ضعف مطلق، صار أحد أكثر الشهادات قسوة في الذاكرة الفلسطينية المعاصرة. لذلك، لا يعامله كخلفية، بل كمحور سردي.

يعتمد الفيلم على إعادة بناء المشهد سمعيًا، مستخدمًا طبقات صوتية مدروسة بعناية: ضجيج بعيد، صمت ثقيل، تكرار نداءات الاستغاثة. كل ذلك يضع المشاهد في موقع المستمع، لا المتفرج، وهو موقع أكثر هشاشة وتأثيرًا.

غياب الجسد… حضور الإنسان

من أكثر الخيارات اللافتة في الفيلم هو غياب التمثيل الجسدي المباشر لهند. لا نرى طفلة تؤدي الدور، ولا إعادة تمثيل تقليدية للحظة الحصار. هذا الغياب ليس نقصًا، بل قوة. فالفيلم يرفض اختزال هند في صورة، أو تحويلها إلى مشهد قابل للاستهلاك البصري.

بدلًا من ذلك، تصبح هند فكرة إنسانية: طفولة محاصَرة، براءة في مواجهة آلة عنف، صوت صغير في عالم أصم. هذا التجريد يمنح القصة بعدًا كونيًا، دون أن يفقدها خصوصيتها الفلسطينية.

سينما ضد الاعتياد

أخطر ما تفعله الأخبار المتكررة هو أنها تُعوِّدنا على الألم. «صوت هند رجب» يقاوم هذا الاعتياد. لا يقدم المأساة بشكل مألوف، ولا يسمح للمشاهد أن يضع مسافة آمنة بينه وبين الحدث.

الفيلم لا يصرخ، لكنه لا يترك مجالًا للراحة. الإيقاع بطيء، محسوب، كأنه يحاكي زمن الانتظار نفسه. انتظار النجدة، انتظار الرد، انتظار ما لن يأتي. في هذا الانتظار، يُجبر المشاهد على مواجهة سؤال أخلاقي صعب: ماذا يعني أن تسمع ولا تستطيع أن تفعل شيئًا؟

لغة سينمائية متقشفة

على المستوى البصري، يتسم الفيلم بالتقشف. لقطات محدودة، ألوان باهتة، فراغات واسعة. الصورة هنا ليست للزينة، بل للإطار. كل شيء يوظَّف لخدمة الصوت والمعنى.

هذا الأسلوب ينسجم مع تقاليد سينما الذاكرة والحداد، حيث تُفضَّل الإشارة على التصريح، والغياب على الامتلاء. لا يحاول الفيلم أن يكون «جميلًا» بالمعنى التقليدي، لكنه صادق، وهذه صدقية نادرة.

من الفردي إلى الجمعي

رغم أن الفيلم يتمحور حول قصة طفلة واحدة، إلا أنه لا يحصر نفسه في إطار شخصي ضيق. صوت هند يتحول تدريجيًا إلى صوت جماعي، يذكّر بأصوات أخرى انقطعت، وبقصص لم تُروَ، وبأسماء لم تصبح عناوين أخبار.

بهذا المعنى، لا يتحدث الفيلم فقط عن هند رجب، بل عن جيل كامل يعيش تحت التهديد، وعن عالم يسمع الأصوات ولا يغيّر الواقع. الفيلم لا يقدّم إجابات، لكنه يصرّ على طرح الأسئلة.

مسؤولية السينما في زمن الكارثة

«صوت هند رجب» يندرج ضمن موجة متصاعدة من الأفلام العربية التي تعيد تعريف دور السينما في زمن الأزمات. لم تعد السينما مجرد وسيلة للتعبير الفني، بل أداة توثيق، ومساحة للمساءلة، وأحيانًا شكلًا من أشكال الحداد الجماعي.

الفيلم لا يدّعي الموضوعية الباردة، ولا يختبئ خلف الحياد. هو منحاز للإنسان، للطفولة، للحياة غير المكتملة. وهذا الانحياز، في سياق كهذا، ليس ضعفًا، بل ضرورة.

لماذا يبقى الفيلم؟

لأن الأصوات التي لا تجد من يسمعها تموت مرتين. «صوت هند رجب» يحاول أن يمنع الموت الثاني. يمنح الصوت حياة سينمائية، ويحوّل الذاكرة إلى فعل مقاومة.

قد لا يكون فيلمًا سهل المشاهدة، لكنه فيلم ضروري. ليس لأنه يقدّم قصة جديدة، بل لأنه يذكّرنا بأن بعض القصص لا يجب أن تصبح عادية.

في النهاية، لا يخرج المشاهد من الفيلم وهو يعرف أكثر، بل وهو يشعر أكثر. وربما هذا هو دور السينما الحقيقي حين تعجز اللغة السياسية، وحين تفشل الأخبار في حمل ثقل الحقيقة.

«صوت هند رجب» ليس فيلمًا عن الموت، بل عن الصوت الذي رفض أن يختفي بصمت.

Scroll to Top