
رحل منذ أيام المخرج والسيناريست المصري الكبير داود عبد السيد عن عمر ناهز 79 عامًا، تاركًا خلفه إرثًا سينمائيًا ثريًا يصعب اختزاله في بضعة أعمال أو تصنيفه ضمن مدرسة واحدة. كان عبد السيد واحدًا من أكثر الأصوات تفردًا وعمقًا في تاريخ السينما المصرية، مخرجًا آمن بأن السينما ليست وسيلة للترفيه فقط، بل أداة للتفكير، ومرآة للقلق الإنساني، وساحة مفتوحة لطرح الأسئلة الكبرى حول الحرية، والسلطة، والهوية، والمعنى.
لم يكن داود عبد السيد غزير الإنتاج، لكنه كان دقيق الاختيار. كل فيلم من أفلامه بدا وكأنه مشروع فكري كامل، يحمل رؤية فلسفية واضحة، وشخصيات معقدة، وسردًا يبتعد عن السطحية والمباشرة. لذلك، ومع رحيله، يعود اسمه بقوة إلى الواجهة، لا بوصفه مخرجًا غاب، بل كصوت ما زال حاضرًا عبر أفلامه التي لم تفقد قدرتها على إثارة الجدل أو تحفيز التفكير.
ولد داود عبد السيد في القاهرة عام 1946، ودرس الإخراج السينمائي في المعهد العالي للسينما. في بداياته، عمل مساعدًا للإخراج مع كبار المخرجين، وعلى رأسهم يوسف شاهين، قبل أن يشق طريقه الخاص ويصنع لغة سينمائية مميزة، تجمع بين الواقعية والتأمل الفلسفي، وبين النقد الاجتماعي والبعد الإنساني العميق.
نال عبد السيد خلال مسيرته العديد من الجوائز والتكريمات، أبرزها جائزة الدولة للتفوق في الفنون عام 2004، وجائزة الدولة التقديرية في الفنون عام 2012 من المجلس الأعلى للثقافة، تقديرًا لإسهاماته المؤثرة في السينما المصرية والعربية.
وبمناسبة رحيله، نستعرض عبر ماي سيما خمسة أفلام تُعد مدخلًا أساسيًا لعالم داود عبد السيد، وتكشف عن عمق تجربته وجرأته الفكرية، وقدرته الفريدة على تحويل الأسئلة الوجودية إلى سينما نابضة بالحياة.
رسائل البحر (2010)
يُعد فيلم رسائل البحر واحدًا من أكثر أفلام داود عبد السيد شاعرية وتأملًا. اختير الفيلم لتمثيل مصر في جوائز الأوسكار، وهو اختيار يعكس مكانته الفنية وأهميته الخاصة داخل مسيرة المخرج.
تدور الأحداث حول “يحيى”، طبيب شاب يعاني من اضطراب في النطق، يجعله عرضة للسخرية والعزلة الاجتماعية. يشعر يحيى بالغربة داخل عالم لا يمنحه مساحة للتعبير أو القبول، فيقرر أن يترك مهنة الطب ويغادر القاهرة إلى الإسكندرية، حيث يعمل صيادًا، ويبدأ رحلة مختلفة مع البحر، الذي يتحول في الفيلم إلى رمز للذاكرة، والحنين، والشفاء الداخلي.
بأداء هادئ ومؤثر من آسر ياسين، وبمشاركة بسمة، يقدم الفيلم تجربة إنسانية عميقة، لا تعتمد على الحبكة التقليدية بقدر ما تعتمد على الحالة، والإحساس، والصمت. رسائل البحر فيلم عن الوحدة، وعن البحث عن صوت داخلي في عالم صاخب، وعن إمكانية النجاة عبر التصالح مع الذات.
أرض الخوف (1999)
يُنظر إلى أرض الخوف باعتباره أحد أكثر الأفلام جرأة في تاريخ السينما المصرية، وربما العمل الأكثر إثارة للجدل في مسيرة داود عبد السيد. الفيلم من بطولة النجم الراحل أحمد زكي، في أحد أعقد أدواره وأكثرها تركيبًا.
يحكي الفيلم قصة “يحيى”، ضابط شرطة يُكلف بمهمة سرية لاختراق عالم تجارة المخدرات. مع مرور السنوات، يندمج يحيى تدريجيًا في هذا العالم، إلى درجة يصبح معها غير قادر على التمييز بين دوره كضابط، وهويته الجديدة التي تشكلت داخل منظومة الفساد والعنف.
الفيلم ليس مجرد قصة عن الجريمة، بل تأمل عميق في طبيعة السلطة، وحدود الأخلاق، وكيف يمكن للنظام أن يبتلع أفراده باسم الواجب. يطرح أرض الخوف أسئلة قاسية عن معنى العدالة، وعن الثمن الذي يدفعه الإنسان عندما يعيش طويلًا في منطقة رمادية بلا يقين.
أرض الأحلام (1993)
في أرض الأحلام، ينتقل داود عبد السيد إلى مساحة أكثر رقة وإنسانية، دون أن يتخلى عن عمقه الفلسفي. الفيلم من بطولة سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، إلى جانب يحيى الفخراني وهشام سليم.
تجسد فاتن حمامة شخصية “نرجس”، امرأة تستعد للهجرة إلى الولايات المتحدة بحثًا عن بداية جديدة، لكنها تفقد جواز سفرها قبل موعد السفر مباشرة. تبدأ رحلة غير متوقعة في شوارع القاهرة، وخلال محاولتها استعادة الجواز، تلتقي بشخصيات مختلفة، أبرزها ساحر بسيط يوقظ بداخلها أسئلة كانت تحاول الهروب منها.
الفيلم تأمل هادئ في فكرة الحلم، وما إذا كان الهروب الجغرافي كافيًا لتغيير الواقع، أم أن المواجهة الحقيقية تبدأ من الداخل. أرض الأحلام عمل شديد الحساسية، يناقش معنى الوطن، والخوف من الفشل، وإمكانية التصالح مع حياة لم تسر كما خططنا لها.
الكيت كات (1991)
لا يمكن الحديث عن داود عبد السيد دون التوقف عند الكيت كات، أحد أعمدة السينما المصرية، وأكثر أفلامه حضورًا في الذاكرة الجماعية. الفيلم من بطولة محمود عبد العزيز في دور يُعد من أعظم أدواره على الإطلاق.
يجسد عبد العزيز شخصية “الشيخ حسني”، رجل فقد بصره، وخسر عمله وزوجته ومكانته الاجتماعية، لكنه يرفض أن يفقد روحه أو قدرته على الفرح. الشيخ حسني يعشق الموسيقى، ويسخر من مأساته، ويواجه الحياة بطاقة لا تخلو من العبث والحكمة في آن واحد.
الفيلم مأخوذ عن رواية مالك الحزين للكاتب إبراهيم أصلان، لكنه يحمل بصمة داود عبد السيد الواضحة في تحويل الحكاية إلى احتفاء بالحياة، رغم القسوة. الكيت كات ليس فيلمًا عن العمى، بل عن البصيرة، وعن الحرية الداخلية التي لا يمكن لأي ظرف أن يصادرها.
الصعاليك (1985)
يمثل الصعاليك أول أفلام داود عبد السيد كمخرج، وفيه ظهرت مبكرًا ملامح رؤيته الاجتماعية الجريئة. الفيلم من بطولة محمود عبد العزيز، ونور الشريف، ويسرا، ويتناول قصة صديقين يعيشان على هامش المجتمع، يقرران اتخاذ طريق مختصر نحو الثراء.
مع تحقق الحلم المادي، تتغير النفوس، وتتآكل القيم، وتتحول الصداقة إلى صراع. يطرح الفيلم سؤالًا مركزيًا حول الثمن الأخلاقي للنجاح السريع، وكيف يمكن للمال أن يعيد تشكيل العلاقات الإنسانية بشكل عنيف.
رغم كونه عمله الأول، كشف الصعاليك عن مخرج لا يخشى مواجهة الواقع، ولا يقدم إجابات جاهزة، بل يترك المشاهد أمام مرآة صريحة للمجتمع وتحولاته.
إرث لا يزول
تأثير داود عبد السيد على السينما العربية لا يمكن إنكاره. ثلاثة من أفلامه، الكيت كات، وأرض الخوف، ورسائل البحر، اختيرت ضمن قائمة أفضل 100 فيلم عربي في استفتاء مهرجان دبي السينمائي الدولي، وهو اعتراف بمكانته كأحد أهم صناع السينما في العالم العربي.
برحيل داود عبد السيد، تفقد السينما المصرية أحد أكثر مبدعيها صدقًا وجرأة، لكن أفلامه ستظل حية، تُشاهد، وتُناقش، وتُلهم أجيالًا جديدة من السينمائيين والمشاهدين. كان مخرجًا لا يقدم إجابات، بل يطرح أسئلة، وربما في ذلك تكمن عظمته الحقيقية.
