ماي سيما | مراجعة فيلم “Anaconda”: جاك بلاك وبول رود في حمى الأدغال… وكوميديا تعرف ماذا تريد ثم تنساه

c

لا تُسمّه إعادة إنتاج. ولا تتمة. ولا حتى “إعادة تشغيل” بالمعنى الشائع. فيلم “Anaconda” الجديد يصرّ على أن يكون شيئاً مختلفاً تماماً، بينما هو – وبكل وقاحة محبّبة في البداية – يشبه تماماً شيئاً شاهدناه من قبل: فيلم Anaconda الصادر عام 1997، ذاك العمل الذي لعبت فيه جينيفر لوبيز وآيس كيوب دور البطولة، وأصبح مع الزمن مثالاً كلاسيكياً على أفلام المغامرة السخيفة التي تعرف سخافتها وتحتفي بها.

المخرج وكاتب السيناريو المشارك توم غورميكان يقدّم هنا فكرة ذكية على الورق: نحن في عالم يوجد فيه فيلم Anaconda الأصلي بوصفه عملاً سينمائياً معروفاً. بطلانا، صديقا الطفولة غريف (بول رود) ودوغ (جاك بلاك)، يعشقان الفيلم إلى درجة الهوس، ويقرران – بدافع الحنين، والخيبة، والرغبة في تحقيق الذات – إعادة صناعته بميزانية متواضعة جداً. لكن الرحلة عبر نهر الأمازون، برفقة طاقم يضم أصدقاء قدامى، تتحوّل من مشروع سينمائي عبثي إلى كابوس حقيقي عندما يظهر… أناكندا حقيقي.

الفكرة مسلية. بل لامعة.
لكن المشكلة أنها لا تبقى كذلك.


ميتا سينما… حتى تفقد خفّتها

يسير Anaconda في المسار نفسه الذي سلكه غورميكان مع فيلمه السابق The Unbearable Weight of Massive Talent، ذلك العمل الذي جعل نيكولاس كيج يلعب دور نيكولاس كيج، ويعلّق على مسيرته وأفلامه بوعي ساخر. هنا أيضاً نعثر على بنية “ما بعد سينمائية” (Meta)، مليئة بالنكات الداخلية عن الصناعة، والتمثيل، والميزانيات، و”الرسائل الفنية”.

في الدقائق الأولى، يعمل هذا النهج بشكل ممتاز. هناك طاقة مرحة، وشعور بأن الفيلم يعرف تماماً أنه يعبث بالذاكرة الجماعية للمشاهدين. السخرية من رداءة الحوار، ومن الأداء المبالغ فيه، ومن أوهام العظمة لدى صنّاع أفلام هواة، كلّها عناصر تصنع ضحكاً حقيقياً.

لكن المشكلة أن هذا النفس لا يدوم.
الفيلم يبدأ واعياً بسخافته… ثم يأخذ نفسه على محمل الجد.


صداقة قديمة… وكيمياء ناجحة

بول رود وجاك بلاك هما أفضل ما في الفيلم بلا منازع. هناك كيمياء حقيقية بينهما تجعل صداقة غريف ودوغ مقنعة، دافئة، ومضحكة. غريف، الذي انتقل إلى لوس أنجلوس بحثاً عن النجومية، لا يزال عالقاً في أدوار تلفزيونية هامشية رغم جديته المفرطة وإيمانه “الفنّي” بنفسه. أما دوغ، فقد بقي في مسقط رأسهما في بوفالو، وصبّ طموحه الإبداعي في صناعة فيديوهات زفاف مبالغ في إخراجها، بطريقة تثير الضحك والشفقة معاً.

إعادة صنع Anaconda بالنسبة لهما ليست مجرد نكتة، بل محاولة متأخرة للتصالح مع الأسئلة التي تطارد كل شخص لم يحقق أحلام شبابه. هذا البعد الإنساني كان يمكن أن يكون نقطة قوّة حقيقية… لو عرف الفيلم كيف يستثمره.


شخصيات مهمّشة وفرص ضائعة

المشكلة الأكبر أن بقية الطاقم لا يحظى بالمساحة أو العمق نفسه.
ستيف زان، في دور المصوّر كيني، محصور في قالب “الأبله اللطيف” الذي يقدّم ضحكتين بالكاد.
أما تاندي نيوتن، الممثلة الموهوبة والمتنوعة، فتُهدر تماماً في دور كلير، حبّ الطفولة القديم لغريف، والتي كانت دائماً نجمة أفلامهم المنزلية. هي الآن محامية مطلّقة… وهذا تقريباً كل ما نعرفه عنها. شخصية بلا ملامح، وبلا مسار درامي يُذكر.

هذا الإهمال يجعل الفيلم يبدو وكأنه غير مهتم فعلاً إلا بثنائيه الأساسي، تاركاً بقية الشخصيات كديكور.


من السخرية إلى الأكشن… والسقوط في العادي

حين يتحوّل Anaconda من فيلم يسخر من صناعة فيلم رديء، إلى فيلم أكشن تقليدي مليء بالمطاردات، والانفجارات، وإطلاق النار، يفقد هويته تماماً. اللمسة الساخرة تتلاشى، ويحل محلها بريق بصري مصقول، لكنه بلا طعم.

خط جانبي يتعلّق بقائدة القارب (دانييلا ميلكيور) وعصابة من منقّبي الذهب غير الشرعيين، يبدو وكأنه حشو درامي لا ضرورة له. غريف ودوغ يتحدثان باستمرار عن “الثيمات” و”الرهانات الدرامية” في مشروعهما السينمائي، لكن المفارقة أن الفيلم نفسه لا يقدّم رهانات حقيقية تستحق القلق.


ظهورات خاصة… واحدة موفقة، وأخرى كارثية

رغم أن الإعلانات أفسدت المفاجأة الأجمل في الفيلم عبر كشفها عن ظهور خاص ذكي وممتع، فإن المفاجأة الثانية قرب النهاية تأتي بنتيجة عكسية تماماً. مشهد محرج إلى درجة تثير التساؤل: كيف وافق الجميع على تصويره؟ ولماذا لم يوقفه أحد؟

حتى مشهد منتصف الشارة الختامية يبدو زائداً عن الحاجة، بلا فكرة أو طرافة، وكأنه أضيف فقط لأن “الأفلام تفعل ذلك”.


الأناكندا… نجم الفيلم الحقيقي

ومع كل هذا، لا يمكن إنكار أن الفيلم يفي بوعد واحد على الأقل: الأفعى.
إذا كنت تبحث عن أناكندا عملاقة، مخيفة، ومصنوعة بتقنيات حديثة، فستحصل عليها. المؤثرات البصرية تطورت كثيراً منذ نسخة 1997 ذات الطابع اليدوي البسيط. هنا، الأناكندا أكثر سلاسة، أكثر “شخصية”، وربما تلمح في عينيها لمعة استمتاع خبيثة.

على الأقل، يبدو أنه هو الوحيد الذي كان مستمتعاً طوال الوقت.


الخلاصة

فيلم “Anaconda” يبدأ ككوميديا ساخرة ذكية تعرف تماماً ما الذي تسخر منه، ويملك طاقماً قادراً على حمل هذا الوعي. لكنه، مع تقدّم الأحداث، ينسى فكرته الأساسية، ويتحوّل إلى فيلم أكشن-رعب عادي، بلا روح، وبلا ذاكرة.

ليس فشلاً كاملاً، وليس نجاحاً حقيقياً.
هو فيلم كان يمكن أن يكون أفضل بكثير… لو تذكّر لماذا بدأ بهذه الطريقة أصلاً.

وإن كنت هنا فقط من أجل أفعى عملاقة تبتلع الناس في الأدغال؟
لا تقلق. ستحصل على ما تريد.

Scroll to Top