
منذ اللحظة التي تبدأ فيها مراسم قرعة كأس العالم، تتجه أنظار المنتخبات وجماهيرها إلى الأوعية الكروية بقلق لا يقل عن الحماس. فبينما يحلم الجميع ببداية سهلة تمهّد الطريق نحو الأدوار الإقصائية، يظل شبح ما يُعرف بـ «مجموعة الموت» حاضرًا بقوة، قادرًا على تحويل الأحلام إلى كوابيس قبل أن تُركل الكرة الأولى في البطولة.
في تاريخ كأس العالم، لم تكن مجموعات الدور الأول مجرد مرحلة تمهيدية، بل كانت في كثير من الأحيان مسرحًا لدراما كروية قاسية، سقط فيها عمالقة، وصعدت منتخبات لم تكن مرشحة، لتبقى هذه المجموعات خالدة في الذاكرة الجماعية لعشّاق اللعبة. وفي هذا التقرير عبر ماي سيما، نستعرض أبرز مجموعات الموت التي صنعت تاريخ المونديال.
ما المقصود بـ«مجموعة الموت»؟
مصطلح «مجموعة الموت» ليس توصيفًا رسميًا من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، بل هو تعبير إعلامي وجماهيري يُطلق على مجموعة تضم عددًا كبيرًا من المنتخبات القوية والمتقاربة في المستوى، بحيث يصبح التأهل منها مهمة شبه مستحيلة، ويُقصى فيها فريق أو أكثر من أصحاب التاريخ والنجومية.
غالبًا ما تتسم هذه المجموعات بعدة عناصر:
- وجود أكثر من بطل سابق لكأس العالم
- تقارب كبير في المستوى الفني
- لاعبين من الطراز العالمي
- منافسة شرسة تحسمها تفاصيل صغيرة
ورغم محاولات فيفا المستمرة لتحقيق التوازن عبر نظام التصنيف، إلا أن القرعة كثيرًا ما تعاند الحسابات، لتُنتج مجموعات تُدخل الرعب إلى قلوب المدربين والجماهير.
السويد 1958: البدايات الأولى لمجموعات الرعب
يعتبر كثير من المؤرخين أن المجموعة الرابعة في مونديال السويد 1958 كانت أول نموذج حقيقي لمجموعة موت، حتى وإن لم يكن المصطلح شائعًا آنذاك.
ضمت المجموعة:
- البرازيل، التي توجت لاحقًا باللقب
- الاتحاد السوفيتي، بطل أولمبياد 1956
- إنجلترا، أحد أعمدة كرة القدم العالمية
- النمسا، صاحبة المركز الثالث في مونديال 1954
كانت المنافسة شرسة، ولم يكن الخروج المبكر لأي منتخب مفاجئًا. وفي النهاية، تأهلت البرازيل والاتحاد السوفيتي، فيما ودّعت إنجلترا البطولة مبكرًا، في صدمة مبكرة لجماهيرها.
المكسيك 1970: ولادة المصطلح رسميًا
بحسب المؤرخ الفرنسي بول ديتشي، يعود الاستخدام الواسع لمصطلح «مجموعة الموت» إلى مونديال المكسيك 1970، وتحديدًا المجموعة الثالثة.
ضمت المجموعة:
- البرازيل بقيادة بيليه
- إنجلترا حاملة لقب 1966
- تشيكوسلوفاكيا وصيفة 1962
- رومانيا
كانت هذه المجموعة أشبه بنهائي مبكر، خاصة المواجهة التاريخية بين البرازيل وإنجلترا، التي شهدت التصدي الأسطوري للحارس غوردون بانكس أمام رأسية بيليه، في واحدة من أعظم لحظات تاريخ كرة القدم.
تأهلت البرازيل وإنجلترا، لكن المجموعة رسخت مفهوم أن بعض المنتخبات الكبرى قد تواجه بعضها في وقت مبكر للغاية.
إسبانيا 1982: أقسى مجموعة في تاريخ المونديال
يتفق كثير من الخبراء على أن مجموعة الدور الثاني في مونديال 1982 هي أصعب مجموعة شهدها كأس العالم على الإطلاق.
ضمت:
- الأرجنتين، حاملة اللقب وبقيادة دييغو مارادونا
- البرازيل، بثلاثة ألقاب وفريق يُعد من الأجمل في التاريخ
- إيطاليا، بطلة العالم مرتين
لم يكن هناك مجال للخطأ. البرازيل لعبت كرة ساحرة بقيادة زيكو وسقراط وفالكاو، بينما امتلكت الأرجنتين مارادونا الشاب، في حين دخلت إيطاليا المجموعة وسط انتقادات حادة.
لكن المفاجأة الكبرى جاءت عندما أطاحت إيطاليا بالبرازيل بنتيجة 3-2، بهاتريك تاريخي لباولو روسي، قبل أن تهزم الأرجنتين أيضًا، وتكمل طريقها نحو التتويج باللقب. كانت مجموعة لا ترحم، صنعت أساطير وأسقطت أخرى.
الولايات المتحدة 1994: مجموعة التوازن القاتل
ليست كل مجموعات الموت قائمة على الأسماء الكبيرة فقط. ففي مونديال 1994، برزت المجموعة الخامسة كنموذج نادر للتكافؤ المطلق.
ضمت:
- إيطاليا
- المكسيك
- أيرلندا
- النرويج
انتهت مباريات المجموعة بحصول كل منتخب على أربع نقاط، ليُحسم الترتيب بفارق الأهداف فقط. خرجت النرويج رغم فوزها في إحدى المباريات، بينما واصلت إيطاليا المشوار حتى النهائي. مجموعة أثبتت أن الندية وحدها قد تكون قاتلة.
كوريا واليابان 2002: سقوط الأرجنتين
في مونديال 2002، تحولت المجموعة السادسة إلى كابوس حقيقي للمنتخب الأرجنتيني.
ضمت:
- الأرجنتين، أحد أبرز المرشحين
- إنجلترا
- نيجيريا
- السويد
دخلت الأرجنتين البطولة بكوكبة من النجوم، لكن الحسابات لم تنطبق على الواقع. تأهلت السويد وإنجلترا، فيما خرج “التانغو” من الدور الأول، في واحدة من أكبر صدمات تاريخ كأس العالم.
البرازيل 2014: ثلاثة أبطال في مجموعة واحدة
في مونديال البرازيل 2014، جاءت المجموعة الرابعة لتكون من أكثر المجموعات إثارة في القرن الجديد.
ضمت:
- إيطاليا
- إنجلترا
- أوروغواي
- كوستاريكا
ثلاثة منتخبات سبق لها التتويج باللقب، ومنتخب رابع لم يكن مرشحًا. لكن المفاجأة كانت مدوية، بعدما تصدرت كوستاريكا المجموعة، وتأهلت أوروغواي معها، فيما ودّعت إيطاليا وإنجلترا البطولة مبكرًا، وسط ذهول عالمي.
لماذا تبقى مجموعات الموت خالدة؟
لأنها تختصر جوهر كأس العالم:
- لا مكان للأسماء وحدها
- لا قيمة للتاريخ دون أداء
- المفاجآت جزء من هوية البطولة
في مجموعات الموت، تُصنع اللحظات الخالدة، وتُكتب القصص التي تروى لأجيال، وتتحول المباريات إلى ملاحم كروية لا تُنسى.
هل ستستمر مجموعات الموت في المستقبل؟
مع توسعة كأس العالم إلى 48 منتخبًا بدءًا من 2026، يعتقد البعض أن فرص ظهور مجموعات الموت ستتراجع. لكن التاريخ علّمنا أن كرة القدم لا تخضع دائمًا للمنطق.
طالما هناك قرعة، وتصنيفات، وفرق كبيرة قد تتعثر في التصفيات، فإن احتمالية ولادة مجموعة موت جديدة ستظل قائمة.
الخلاصة | ماي سيما
من السويد 1958 إلى البرازيل 2014، أثبتت مجموعات الموت أنها ليست مجرد صدفة عابرة، بل جزء أصيل من دراما كأس العالم. هي الاختبار الأقسى، والمرحلة التي لا تعترف بالأسماء، بل بالأداء واللحظة.
وفي كل نسخة جديدة من المونديال، يبقى السؤال مطروحًا:
من سيكون ضحية مجموعة الموت القادمة؟
الإجابة وحدها كفيلة بأن تجعل جماهير كرة القدم تترقب القرعة بقلق… وشغف لا ينتهي.
