مراجعة: «جوزفين» – اكتشاف صندانس العاطفي حول الأبوة والأمومة

جوزفين

فيلم «جوزفين» للمخرجة بيث دي أراوجو ظهر منذ عرضه الأول في مهرجان صندانس كأحد أكثر الأعمال الشخصية والعاطفية جرأة هذا العام. بعد العرض، تداولت تقارير عن قاعة سينمائية تملأها الدموع، وهو رد فعل يبدو طبيعيًا أمام قوة الفيلم التي تضع المشاهد مباشرة في قلب تجربة الطفلة جوزفين، التي تواجه عالمًا كشف عن وجهه العنيف فجأة.

الفيلم مستوحى من ذكرى طفولية حقيقية من حياة المخرجة نفسها، حيث شهدت فتاة على اعتداء جنسي، ونجا المعتدي بفضل تدخل والدها، لكنها بقيت لتواسي الضحية العارية والمصدومة. هذه اللحظة تصبح العمود الفقري العاطفي للفيلم، حيث ترى الطفلة جوزفين (ثماني سنوات) حادثة عنف في حديقة غولدن غيت، وتغمرها الخوف والغضب، فتبحث عن طرق لاستعادة السيطرة بينما يكافح الكبار من حولها لتقديم العزاء.

من خلال تصوير غريتا زوزولا المرهف، ينجح الفيلم في ربطنا بمنظور جوزفين، فيعرض كيف يترسخ الصدمة في الذاكرة والإدراك. لقطات التتبع الطويلة ترافق الطفلة في الأماكن اليومية، بينما تتكرر رؤية المعتدي في أطراف الإطار، جالسًا أو متجولًا، لتظهر الطريقة التي يظل بها العنف متغلغلًا في الجسد والنفس بعد أن انتهى الفعل ذاته.

الفيلم ليس مجرد دراسة للصدمات الفردية، بل هو أيضًا نظرة دقيقة على الأبوة والأمومة. كل من تشانينغ تاتوم وجيما تشان يقدمان أداءً مؤثرًا كوالدي جوزفين. حبهما العميق حاضر دائمًا، لكنه يتقاطع مع العجز عن معرفة كيفية التفاعل مع الموقف. الأم تتجه نحو العلاج النفسي والعناية العاطفية، محاولةً إعطاء الطفلة الأدوات اللغوية لمعالجة ما شاهدته، بينما الأب يركز على القوة الجسدية كوسيلة دفاعية، مقترحًا دروس الدفاع عن النفس، معتقدًا أن السيطرة يمكن أن تحل محل الرعب.

هنا، يصبح الفيلم دراسة للعائلة كوحدة واحدة تتأثر بالصدمة، وليس مجرد تصوير لفشل الوالدين. الأسئلة التي يطرحها الفيلم أكثر عمقًا من الحلول السهلة: كيف يمكن للوالدين أن يوجها طفلة خلال تجربة لا يفهمانها بالكامل؟

الأداء الصغير لـ ميسون ريفز في دور جوزفين مذهل، يظهر نضجًا عاطفيًا يتجاوز عمرها، بينما سيرا مكارثي تجسد الضحية السابقة للاعتداء في مشهد قصير لكنه قوي، لا يترك المشاهد دون دموع. الفيلم أيضًا يثير تساؤلات أخلاقية حول الشهادة والمشاهدة، من خلال محاذاة الكاميرا مع منظور جوزفين، فلا يسمح بأي مسافة أمان، فيصبح المشاهد مضطرًا لمعايشة الصدمة مباشرة.

ما يميز «جوزفين» هو أنه لا يقدم شفاءً نهائيًا، بل يركز على الحضور والمرافقة والانتباه والمسؤولية. العناية، كما يقترح الفيلم، ليست مجرد حماية أو سيطرة، بل هي القدرة على البقاء مع ألم شخص آخر، ومشاركة هشاشته دون القدرة على تغييره.

ينتهي الفيلم بمشهد جميل على شاطئ البحر، حيث يشير اتساع المكان وعنف الأمواج إلى الاستمرارية والتحمل، أكثر من الشفاء. الحضور، التشارك في الألم، والخوف المستمر على مستقبل الطفلة، كل ذلك يترك أثرًا صامتًا لكنه عميق في نفس المشاهد. المشهد الأخير لا يحل الغموض، بل يحتضنه، مذكرًا بأن الحب غالبًا يعني تعلم العيش مع ما لا يمكن السيطرة عليه.

«جوزفين» ينافس في مسابقة الدراما الأمريكية بمهرجان صندانس لهذا العام، وهو بالفعل أحد أبرز الأفلام الشخصية والعاطفية التي حملها المهرجان حتى الآن، ويؤكد قدرة السينما على نقل التجارب الإنسانية العميقة عبر عدسة حساسة وصادقة.

Scroll to Top