مراجعة فيلم Mother of Flies: كابوس عائلي عن الجسد، الإيمان، وحدود النجاة

Mother of Flies

من الخطأ تمامًا وصف فيلم Mother of Flies بأنه “فيلم عائلي” بالمعنى المألوف. نعم، صُنِع بأيدي عائلة واحدة، ونعم، يدور حول علاقة أب بابنته، لكن ما يقدّمه أبعد ما يكون عن الدفء أو الطمأنينة. نحن هنا أمام حكاية رعب وجودية، أقرب إلى مثلٍ أسود عن الفناء، والحزن، والإيمان حين يتحوّل إلى مقامرة أخيرة، وعن هشاشة الجسد البشري عندما يخونه الطب ولا يبقى له سوى الأمل الغامض.

الفيلم هو أحدث أعمال فريق آدامز–بوزر، واحدة من أكثر التجارب السينمائية غرابة وتماسكًا في السينما الأميركية المستقلة. هذه العائلة – الأب جون آدامز، الأم توبي بوزر، وابنتاهما لولو وزيلدا آدامز – لا تكتفي بالتمثيل، بل تكتب، وتُخرج، وتُصوّر، وتُمنتج أفلامها بنفسها، في حالة نادرة من “العقل الجمعي” الإبداعي. النتيجة ليست دائمًا سهلة التلقي، لكنها دائمًا صادقة، ومشحونة برؤية فنية لا تخطئها العين.


افتتاحية تصدم الحواس قبل العقل

منذ شارة البداية، يعلن Mother of Flies عن نفسه كفيلم لا يطلب الإذن من مشاهديه. المشاهد الافتتاحية خليط مربك من الجمال والقرف: دماء، طين، لزوجة، أنسجة لا يمكن تمييزها بوضوح. الكاميرا قريبة إلى حد الاختناق، والزوايا غير مريحة، كأننا داخل جسدٍ حي أو مدفونين تحت جذور شجرة عتيقة.

نرى جسدًا عاريًا مغطى بالدم، يتحرّك بإيقاع لا نعرف إن كان ألمًا أم نشوة. امرأة تتلوّى وتئن، في مشاهد تستدعي في آنٍ واحد لحظة ولادة، ذروة جنسية، أو انسحابًا مؤلمًا من مخدر قوي. هذه الصور لا تُفسَّر فورًا، لكنها تترك أثرًا حسيًا عميقًا، وتذكّر بلوحات جحيمية لرسامين مثل هيرونيموس بوش، غويا، أو خوسيه دي ريبيرا، حيث اللحم البشري مادة للتأمل والرعب معًا.

لن تفهم معنى هذه الافتتاحية إلا لاحقًا، عندما تبدأ خيوط القصة بالالتئام.


رحلة أخيرة بحثًا عن معجزة

القصة تتابع ميكي (زيلدا آدامز)، شابة مصابة بسرطان في مراحله الأخيرة، ترافق والدها جيك (جون آدامز) إلى كوخ منعزل وسط الغابة. وجهتهما امرأة تُدعى سولفيغ (توبي بوزر)، معالجة روحية أو ساحرة، لا يترك الفيلم مجالًا للشك في طبيعتها الغامضة حتى قبل أن يلتقيا بها.

الطب الحديث استنفد كل خياراته، ولم يتبقَّ أمام الأب سوى هذا الأمل الأخير: إيمان بدائي، غير علمي، لكنه – في لحظة اليأس – يبدو أفضل من الاستسلام للموت.

سولفيغ لا تتحدث كالبشر العاديين. كلماتها أقرب إلى تراتيل، تعاويذ، أو اقتباسات مشوشة من نصوص دينية وشعرية. أحيانًا يبدو كلامها كأنه محاكاة ساخرة – متعمدة أو لا – لأعظم ما في الشعر الإنجليزي في القرن التاسع عشر. لغتها متكلفة، متقطعة، وغامضة لدرجة أن فهمها يتطلب جهدًا. لو كان “يودا” حاضرًا، لطلب منها التخفيف قليلًا.

لكن ثقتها بنفسها مطلقة. تشترط على الأب وابنته الخضوع الكامل لطقوسها، التي لا علاقة لها بالعالم الحديث: لا تكنولوجيا، لا مراحيض، لا طعام سوى أوراق وفطر. عودة قسرية إلى حياة الإنسان الأول، كأنهما دخلا طائفة دينية لا تضم سوى قائد واحد وتابعين.


بيت يبتلعه النبات… وشخصية تهيمن على الكادر

البيت الذي تقيم فيه سولفيغ ليس مجرد موقع تصوير، بل امتداد لشخصيتها. مغطى بالكروم والنباتات إلى حد يستحيل معه تمييز أين ينتهي الخشب ويبدأ الأخضر. الطبيعة هنا ليست حاضنة، بل متطفلة، خانقة، تبتلع كل ما يقترب منها.

سولفيغ نفسها لا تدخل مشهدًا بطريقة عادية أبدًا. غالبًا ما تظهر كنصف ظل، مؤطرة بإطارات الأبواب أو جذوع الأشجار، كأنها كيان خارج الزمن. وجودها طاغٍ، مهيب، ومقلق، حتى في لحظات الصمت.

أما ميكي، فسرعان ما تبدأ باختبار رؤى لا يمكن الجزم بطبيعتها. هل هي هلوسات ناتجة عن المرض؟ أم بوادر لقوى خارقة؟ وهي مستلقية على السرير، ترى في سقف الغرفة كيانًا لحميًا ينبض، ينفتح كفتحة غامضة، تتغير ملامحه باستمرار. هو فم؟ رحم؟ جرح؟ الإجابة تتبدل مع كل لقطة.


الذباب… رمز التحلل والحقيقة القذرة

كما يوحي العنوان، الذباب حاضر بكثافة، وبلا رحمة. ليس مجرد عنصر بصري مقزز، بل رمز واضح للتحلل، للموت، وللحقيقة التي لا يمكن تجاهلها. الفيلم ينضم بسهولة إلى قائمة الأفلام التي استخدمت أسراب الذباب كأداة رعب خالدة، إلى جانب The Amityville Horror وExorcist II.

ومع تقدّم الأحداث، يتصاعد العنف، وتتحول الرؤى إلى طقوس دموية، تتضمن إيحاءات بالتشويه، والتعذيب، وحتى مشاهد تذكّر بالذعر الجماعي الذي اجتاح الولايات المتحدة في الثمانينيات والتسعينيات حول “الطقوس الشيطانية” في دور الحضانة: أجساد منتهكة، أطفال، وأمهات يُفتح بطونهن في مشاهد قاسية يصعب نسيانها.

الفيلم لا يسعى إلى الإمتاع، ولا يحاول تلطيف ضرباته. هو اختبار تحمّل بقدر ما هو تجربة فنية.


رعب عن الإيمان… لا عن الوحوش

ما يميّز Mother of Flies عن كثير من أفلام الرعب هو أن مصدر الخوف ليس كيانًا خارقًا واضحًا، بل الإيمان نفسه حين يصبح آخر ملاذ. الفيلم يسأل: ماذا نفعل عندما يخبرنا العلم أن النهاية حتمية؟ إلى أي مدى نحن مستعدون للذهاب من أجل من نحب؟ ومتى يتحول الأمل إلى استسلام مخيف لقوة قد تكون وهمية أو شريرة؟

العلاقة بين الأب وابنته مؤثرة في صمتها. جيك لا يملك حلولًا، ولا كلمات كبيرة. حبه لابنته يظهر في استعداده لفعل أي شيء، حتى لو بدا غير عقلاني. هذا ما يجعل الفيلم موجعًا: الرعب ينبع من حب صادق، لا من شر مطلق.


تجربة ليست للجميع… لكنها لا تُنسى

من الإنصاف القول إن Mother of Flies ليس فيلمًا للجميع. أسلوبه الحسي، بطئه المتعمد، وصوره الصادمة قد تنفّر كثيرين. لكنه، في المقابل، عمل صادق، متماسك، وصادر عن رؤية فنية واضحة. عائلة آدامز–بوزر لا تصنع أفلامًا لإرضاء السوق، بل لتجسيد هواجسها، وأسئلتها، وكوابيسها.

قد لا يكون الفيلم “ممتعًا” بالمعنى التقليدي، لكنه تجربة كاملة: بصرية، نفسية، وروحية، تظل عالقة في الذهن طويلًا بعد انتهاء المشاهدة.

في النهاية، Mother of Flies هو تأمل مظلم في الجسد حين ينهار، وفي الإيمان حين يصبح خطرًا، وفي العائلة حين تواجه المستحيل. فيلم قاسٍ، غريب، لكنه بلا شك أحد أكثر أفلام الرعب استقلالية وجرأة في السنوات الأخيرة.

Scroll to Top