مراجعة فيلم «Primate» – حين يتحوّل الشمبانزي الأليف إلى كابوس دموي ممتع بلا اعتذار

مراجعة فيلم «Primate» – حين يتحوّل الشمبانزي الأليف إلى كابوس دموي ممتع بلا اعتذار

في وقت بات فيه فيلم الرعب المعاصر منشغلاً إلى حدّ الهوس بمعالجة الصدمات النفسية، والحزن، والاستعارات الثقيلة التي تُخفي الوحوش خلف طبقات من الرمزية، يأتي فيلم Primate كصفعة دامية ومتعمدة لهذا التوجّه. المخرج البريطاني يوهانس روبرتس لا يريد أن يقول شيئاً عميقاً عن الحداد، ولا يسعى لتحويل الرعب إلى جلسة علاج جماعية. ما يريده بسيط وواضح: تقديم فيلم وحوش شرس، سريع، دموي، وممتع إلى أقصى حد.

واللافت أن Primate ينجح تماماً في ذلك. إنه فيلم رعب يعرف نفسه جيداً، ولا يشعر بأي حاجة للاعتذار عن هويته كفيلم فئة B مصقول تقنياً. النتيجة هي تجربة سينمائية مشحونة بالطاقة، قصيرة النفس، عالية الإيقاع، ومصمّمة لتسلية الجمهور وإبقائه على حافة المقعد – لا أكثر ولا أقل.


رعب بلا عقد ولا استعارات

أبرز ما يميّز Primate هو رفضه التام للتظاهر بالعمق. لا توجد هنا رموز ثقيلة، ولا إسقاطات فلسفية متكلّفة، ولا محاولات لربط العنف بأزمات وجودية. الفكرة الأساسية للفيلم تُقدَّم بوضوح فاضح: الشمبانزي ليس حيواناً أليفاً، وعندما ينسى البشر ذلك، تكون العواقب مروّعة.

هذا الوضوح يُعدّ منعشاً في سياق سينمائي بات يميل إلى «الرعب المتعالي». خلال السنوات الأخيرة، شاهدنا موجة من أفلام الرعب التي تطمح لأن تكون «مهمّة» و«جادّة» – أحياناً بنجاح، وأحياناً بإرهاق شديد للمشاهد. روبرتس يختار الطريق المعاكس تماماً، ويقدّم فيلماً يستحضر روح أفلام الوحوش في الثمانينيات والتسعينيات، حين كان الهدف الأساسي هو الإثارة والصدمة والمتعة.

أقرب مرجع روحي للفيلم هو Shakma (1990)، الفيلم الرديء–الرائع عن قرد بابون يتحوّل إلى آلة قتل بعد تجربة علمية. ذلك الفيلم احتاج سنوات ليكتسب مكانته كعمل عبادي محبوب بين جمهور أفلام «السوء الممتع». أما Primate، فيبدو مؤهلاً لنيل هذا التقدير بسرعة أكبر بكثير، لأنه ببساطة فيلم أفضل: أكثر إحكاماً، أسرع، وأكثر وعياً بنفسه.


زمن قصير… عنف مكثّف

بمدة لا تتجاوز 89 دقيقة، لا يهدر Primate ثانية واحدة. الإيقاع سريع، شبه عدواني، والفيلم يتحرك كقطار بلا مكابح. لا مجال هنا للتأملات الطويلة أو الخلفيات النفسية المعقّدة. الشخصيات تُرسَم بخطوط واضحة، ثم يُترك لها أن تواجه الجحيم.

هذا الاختصار هو أحد مصادر قوة الفيلم، لكنه أيضاً يحمل نقطة ضعف طفيفة. ربما كان من المفيد قضاء وقت أطول قليلاً مع «بن» الشمبانزي قبل تحوّله، لإبراز العلاقة العاطفية بينه وبين العائلة وتعميق الصدمة لاحقاً. لكن Primate غير مهتم كثيراً بالحزن بقدر اهتمامه بالفوضى، وما إن يبدأ العنف حتى يصبح من الصعب المطالبة بالمزيد من التمهيد.


بن: الضحية قبل أن يكون الوحش

في قلب الفيلم يقف «بن»، الشمبانزي الذي يتحوّل من فرد محبوب في العائلة إلى كابوس قاتل. ومن المهم أن الفيلم لا يقدّمه ككائن شرير بطبيعته. على العكس، Primate يصرّ بوضوح على أن ما يحدث ليس ذنب بن، بل نتيجة مباشرة لاستهتار البشر وغرورهم.

بن دخل حياة العائلة بعد أن جلبته الأم – الباحثة في علم اللغة – من المختبر إلى المنزل. ما بدأ كعمل علمي تطوّر إلى علاقة منزلية خطيرة، حيث تحوّل حيوان بري إلى شبه طفل. بعد وفاة الأم، يستمر هذا الوضع الهش، مع تجاهل كامل للحدود الطبيعية بين الإنسان والحيوان.

يعيش بن مع المراهقة «إيرين» (جيا هنتر) ووالدها «آدم» (تروي كوتسور)، كاتب روايات بوليسية وأرمل، في منزل فخم ومعزول على منحدر صخري في هاواي. العزلة هنا عنصر أساسي: مكان جميل، لكنه بعيد عن أي نجدة محتملة.

تصل الابنة الكبرى «لوسي» (جوني سيكوياه) لزيارة العائلة بعد فترة من القطيعة النفسية إثر وفاة الأم، وتأتي برفقة أصدقاء لقضاء عطلة مليئة بالحفلات. ما لا يتوقعه أحد هو أن عطلة اللهو ستتحوّل سريعاً إلى معركة للبقاء.


لدغة… وتبدأ النهاية

العنصر المحفّز للأحداث بسيط ومخيف في آن واحد: بن يتعرّض لعضّة من نمس، وينقل إليه داء الكَلَب. الفيلم يفتتح بنصّ توضيحي قاتم: داء الكلب مرض قاتل بنسبة شبه كاملة عند ظهور الأعراض. منذ تلك اللحظة، يصبح الوقت عدواً.

سلوك بن يبدأ بالتغيّر. يصبح عدوانياً، متوتراً، وغير متوقع. لوسي، الأكثر إدراكاً للوضع، تقول الجملة الأكثر رعباً في الفيلم ببساطة باردة:
«لم يعد بن كما كان».

هذه الجملة تمثّل نقطة اللاعودة. الشمبانزي اللطيف الذي كان يعانق أفراد العائلة اختفى. ما بقي هو مخلوق تحكمه الغريزة والمرض والألم.


عنف بلا خجل… وبلا تخفيف

من اللحظة التي يُمزّق فيها وجه أحد الضحايا في مشهد مبكر صادم، يدرك المشاهد أن Primate ليس فيلماً مراهقاً بتصنيف PG-13. هذا فيلم رعب بتصنيف R كامل، وروبرتس يستغل ذلك إلى أقصى حد.

العنف هنا قاسٍ، دموي، ومبتكر. هناك كسور فكين، تحطيم جماجم، وسقوط من ارتفاعات شاهقة بنهايات مروّعة. أحد المشاهد – الذي يتعرّض فيه «مؤثّر على إنستغرام» لمصير بشع – يتجاوز حدود الاشمئزاز المعتادة، ويدخل منطقة «هل سيجرؤ الفيلم فعلاً على فعل ذلك؟».

لكن اللافت أن العنف لا يأتي بلا تمهيد. التوتر يُبنى بذكاء، من خلال سلوك بن غير المتوقع. أحياناً يراقب بصمت، وأحياناً يهاجم فجأة. هذا التوازن بين الترقّب والانفجار هو ما يجعل العنف فعّالاً بدل أن يكون مرهقاً.


مشهد المسبح: ذكاء سينمائي بسيط

أحد أفضل أفكار الفيلم هو لجوء الناجين إلى منتصف المسبح هرباً من بن. المنطق بسيط وفعّال: بن لا يستطيع السباحة، وداء الكلب مرتبط بالخوف من الماء. هذه الفكرة تخلق مساحة توتر ممتازة، حيث يتحوّل المسبح إلى ملاذ مؤقت… وفخ نفسي في الوقت نفسه.

المشهد يستغل المكان بذكاء، ويجبر الشخصيات على التفاعل تحت ضغط مستمر، بينما الخطر يحيط بهم من كل جانب. إنه مثال رائع على كيف يمكن لفكرة بسيطة أن تصنع توتراً عالياً دون الحاجة إلى تعقيد.


مؤثرات عملية تُعيد الثقة

في زمن تهيمن فيه المؤثرات الرقمية، يبرز Primate باستخدامه اللافت للمؤثرات العملية. شخصية بن يؤدّيها مختص الحركات الجسدية ميغيل توريس أومبا، الذي يمنح الشمبانزي حضوراً جسدياً حقيقياً ومخيفاً.

بن يبدو ثقيلاً، قريباً، وخطيراً فعلاً. تشعر بوزنه عندما يهاجم، وبقربه عندما يختبئ. هذا الإحساس المادي يقرّب المشاهد من الفوضى، ويجعل الرعب أكثر تأثيراً بكثير من أي نموذج ثلاثي الأبعاد مصقول.

مع تقدّم الفيلم، يتحوّل بن تدريجياً إلى ما يشبه «قاتل أفلام السلاشر»، حتى أن هناك لحظة مرجعية لأفلام Halloween. قد يبدو ذلك مبالغاً فيه قليلاً في النهاية، لكنه ينسجم مع روح الفيلم العبثية.


أداءات ملتزمة ومفاجِئة

جيا هنتر تقدّم أداءً مقنعاً بدور إيرين، وتنجح في نقل مزيج الحب والخوف والانكسار. جوني سيكوياه تمنح لوسي قسوة دفاعية تخفي تحتها شعوراً بالذنب والحزن.

أما تروي كوتسور، الفائز بالأوسكار عن CODA، فيشكّل مفاجأة جميلة. دوره كأب أصمّ يُقدَّم بسلاسة واحترام، مع مشاهد كاملة بلغة الإشارة دون أي محاولة لاستدرار التعاطف. حضوره يضيف دفئاً إنسانياً حقيقياً لفيلم كان يمكن أن يكون بارداً أو ساخراً بالكامل.

اللافت أن فيلماً تجارياً واسع الانتشار يمنح ممثلاً أصماً هذا الحضور البارز، دون أن يحوّل الأمر إلى «قضية»، وهو إنجاز يُحسب له.


تحية للثمانينيات… بنجاح متفاوت

واضح أن روبرتس وكاتب السيناريو إرنست رييرا يعشقان أفلام الوحوش في الثمانينيات. هذا يظهر في الشخصيات المراهقة الصاخبة، المؤثرات العملية، والموسيقى الإلكترونية.

لكن ليست كل الإشارات ناجحة. الموسيقى أحياناً تختار «الأسلوب» على حساب التوتر، فتخفف من حدّة بعض المشاهد. هذا عيب سبق أن ظهر في أعمال روبرتس السابقة، لكنه لا يدمّر التجربة.

بشكل عام، يظهر المخرج هنا في أكثر لحظاته ثقة وكفاءة. بعد 47 Metres Down وتكملته الأفضل، يبدو أنه وجد أخيراً مساحته المثالية كصانع أفلام رعب تجاري ذكي.


بداية دموية موفّقة لعام 2026

بعد عام فاتر لأفلام الرعب، يأتي Primate كدفعة أدرينالين حقيقية. إنه فيلم لا يخجل من كونه ممتعاً، ولا يحاول إخفاء دمويته خلف خطاب ثقيل.

نعم، هو سخيف أحياناً. نعم، هو مبالغ فيه. ونعم، المنطق يُضحّى به أحياناً لصالح السرعة. لكن هذه ليست عيوباً بقدر ما هي جوهر النوع الذي ينتمي إليه الفيلم.


الخلاصة

Primate فيلم رعب صاخب، دموي، وممتع بلا خجل. يقدم تجربة سينمائية مباشرة، قاسية، ومسلية، ويذكّرنا بأن الرعب لا يحتاج دائماً إلى رسالة عميقة ليكون فعّالاً.

إنه فيلم يعرف جمهوره جيداً، ويمنحه بالضبط ما جاء من أجله: توتراً، دماً، وفوضى ممتعة حتى آخر دقيقة.
وبهذا المعنى، فإن Primate ليس مجرد فيلم وحوش ناجح، بل تذكير قوي بأن المتعة الخالصة لا تزال لها مكانة مهمة في سينما الرعب.

Scroll to Top