
بعد ما يقارب عقدًا من الزمن على صدور Zootopia، يعود عالم ديزني المحبوب بجزء ثانٍ كان يمكن بسهولة أن يقع في فخ التكرار أو الحنين الفارغ. لكن Zootopia 2 يفعل العكس تمامًا: يوسّع عالمه، يعمّق أفكاره، ويقدّم فيلمًا لا يكتفي بمجاراة نجاح الأصل الحائز على الأوسكار، بل ينافسه بجرأة… وربما يتفوّق عليه في حس الدعابة والخيال.
منذ الدقائق الأولى، يعلن الفيلم نواياه بوضوح. هذه ليست زيارة نوستالجية سريعة، بل عودة حقيقية إلى مدينة ما تزال تخفي أسرارًا أكثر مما نظن. نعم، كل الشخصيات التي أحببناها عادت: الكسلان الشهير في دائرة المرور، زعيم المافيا من فصيلة الزبابة القطبية، الغزالة المغنية بصوت شاكيرا، وحتى بيلويذر (جيني سلايت) التي لعبت دور الشريرة في الجزء الأول – مع ملخص سريع وذكي لمن نسي أو لم يشاهد الفيلم السابق.
لكن Zootopia 2 لا يعيش على الماضي. قوته الحقيقية تكمن في نظرته الجديدة إلى فكرة “المجتمع”، وفي الطريقة التي يسأل بها أسئلة أكبر، دون أن يفقد خفة ظله أو روحه العائلية.
مدينة للجميع… أم هكذا نعتقد؟
لطالما قُدمت زوتوبيا بوصفها المدينة الفاضلة: مكانًا تتعايش فيه الحيوانات، مهما اختلفت أحجامها وبيئاتها، بسلام وتناغم. من الزرافات العملاقة إلى الفئران الصغيرة، من الدببة القطبية إلى الفيلة الصحراوية، كل شيء يبدو محسوبًا بدقة تصميمية مبهرة.
لكن الجزء الثاني يطرح سؤالًا بسيطًا ومزعجًا في آن واحد: من ليس موجودًا هنا؟
سرعان ما نكتشف أن زوتوبيا مدينة مصممة فقط للثدييات البرية. لا وجود للكائنات البحرية، ولا للزواحف، حتى تلك التي يمكن أن تتأقلم. لماذا؟ ومن قرر ذلك؟ وهل يمكن لمدينة تدّعي الشمول أن تكون كاملة وهي تستبعد آخرين؟
هذا الخيط السردي يمنح الفيلم بعدًا سياسيًا واجتماعيًا ذكيًا، دون أن يتحول إلى خطاب مباشر. إنه درس عن النوايا الحسنة التي قد تخفي وراءها أنظمة إقصاء غير مرئية.
جودي ونيك: شراكة تتعلم الإصغاء
في قلب المغامرة، نعود إلى الثنائي الذي صنع سحر الفيلم الأول: جودي هوبس (جنيفر غودوين)، الأرنب المتحمس، المثالي، الذي يؤمن بالعدالة حتى العظم، ونيك وايلد (جيسون بيتمان)، الثعلب الذكي، الساخر، الذي تعلّم أن النجاة أحيانًا أهم من البطولة.
لكن العلاقة بينهما لم تعد كما كانت. نيك أصبح الآن رسميًا في جهاز الشرطة، وشراكتهما المهنية تواجه اختبارات حقيقية. منذ أول مطاردة – تنتهي بفوضى عارمة بسبب تجاهلهما أوامر القائد بوغو (إدريس إلبا) – يتضح أن الحماس الزائد لجودي، واندفاعها في اتخاذ القرار، لا يزال يطغى على صوت شريكها.
بوغو، الذي ضاق ذرعًا بالفوضى، يهددهما بالفصل، ويُرسلهما – في واحدة من أطرف أفكار الفيلم – إلى مجموعة دعم للشركاء المهنيين، تقودها الدكتورة فوزبي (كوينتا برانسون). في هذه الجلسات، يكشف الفيلم بذكاء عن خلل بسيط لكنه عميق: جودي تتحدث دائمًا… ولا تصغي.
هذه التفاصيل الصغيرة تمنح الشخصيات عمقًا إنسانيًا نادرًا في أفلام الرسوم المتحركة، وتجعل تطور العلاقة بين جودي ونيك أحد أجمل محاور الفيلم.
لغز كتاب… ومؤامرة أكبر
ينطلق الخط الرئيسي للأحداث مع سرقة كتاب تاريخي ثمين خلال حفل فاخر. هذا الكتاب يعود إلى أحد أسلاف عائلة الوشق (Lynx)، وهو العقل الذي ابتكر نظام تقسيم البيئات المناخية داخل زوتوبيا. سرقته ليست جريمة عادية، بل مفتاح لكشف تاريخ المدينة، وقراراتها المؤسسة، وما تم إخفاؤه عمدًا.
التحقيق يقود جودي ونيك إلى سلسلة من المفاجآت، والانتكاسات، والمواجهات التي تهدد ليس فقط شراكتهما، بل حياتهما أيضًا. ومع تعقّد القصة وتعدد الخيوط، ينجح الفيلم في الحفاظ على تركيزه الأساسي: كيف نختار من نثق به؟ وكيف نكون أصدقاء حقيقيين حين تصبح الأمور صعبة؟
شخصيات جديدة… ونكهة مختلفة
يُدخل الفيلم مجموعة من الشخصيات الجديدة التي تضيف نكهة طازجة إلى العالم:
- غاري، أفعى حفّاثة (pit viper) يؤدي صوتها كي هوي كوان، تجمع بين الغموض والطرافة.
- نيبلز، بودكاستر مهووس بنظريات المؤامرة بصوت فورتشن فيمستر.
- باوبرت، فرد لطيف ومحرج من عائلة الوشق المتغطرسة، يؤديه آندي سامبرغ.
- وعمدة جديد لزوتوبيا: براين ويندانسر، حصان أشقر فخم المظهر، ممثل سابق دخل عالم السياسة، بصوت باتريك ووربرتون… تخيّله كنسخة فابيو من عالم الخيول.
كل شخصية، مهما كان دورها صغيرًا، مكتوبة بعناية، وتضيف طبقة جديدة إلى عالم يعج بالحياة.
عالم بصري مذهل… ومكافأة لمن يدقق
بصريًا، Zootopia 2 عمل مذهل. ديزني هنا في قمة إبداعها: تفاصيل دقيقة، خامات نابضة بالحياة، وإحساس بالمساحة والحركة يكاد يكون دوّارًا. مطاردات السيارات في شوارع المدينة، ورحلة عبر أنبوب مائي هائل (ليس مترو لندن، بل “تيوب” حرفي مليء بالماء)، كلها مشاهد تبقى في الذاكرة.
البيئات الجديدة – من الصحراء إلى الجبال الشبيهة بالألب، وصولًا إلى المناطق الساحلية المخصصة للثدييات البحرية (تنبيه: لا تقل “فقمة” أمام أسد البحر!) – تضيف تنوعًا بصريًا يخطف الأنفاس.
والفيلم يكافئ المشاهدين الملاحظين: تلاعب لغوي ساخر بأسماء منصات البث مثل EweTube وHuluZoo، عناوين برامج مثل “Only Herders in the Building”، وحتى لقطة خاطفة مستوحاة من أحد أكثر مشاهد The Shining رعبًا.
قلب دافئ تحت كل هذا المرح
رغم تعقيد الحبكة وكثرة الأحداث، يبقى Zootopia 2 فيلمًا دافئ القلب. رسالته الأساسية عن الصداقة، والانفتاح، والنضال من أجل العدالة، لا تضيع وسط الأكشن أو النكات. هناك بهجة حقيقية تسري في كل مشهد، تجعل الضحك صادقًا، والتأثر غير مفتعل.
هذا فيلم يعرف جمهوره، لكنه لا يستخف به. يخاطب الأطفال بالكوميديا والمغامرة، ويمنح الكبار طبقات أعمق من المعنى.
الخلاصة
Zootopia 2 ليس مجرد تكملة ناجحة، بل مثال نادر على كيف يمكن للجزء الثاني أن يوسّع العالم، ويطوّر الشخصيات، ويطرح أسئلة أكثر نضجًا، دون أن يفقد روحه الأصلية. إنه احتفال بالمجتمع، وبالاختلاف، وبالصداقة التي تتعلم كيف تنمو.
ابقَ حتى نهاية الشارة الأخيرة… فهناك لمحة عن مغامرة قادمة. وكل ما نتمناه، ألا ننتظر عقدًا آخر للعودة إلى هذه المدينة الرائعة.
