
في أروقة المحاكم، حيث تتقاطع الحقائق مع الادعاءات، ويصبح الورق أحيانًا سلاحًا وحيدًا لإثبات الحقوق، يبرز “الطعن بالتزوير” كأحد أخطر الدفوع القانونية وأكثرها حساسية. فهو ليس مجرد اعتراض عابر، بل خطوة تمس جوهر الدليل، وقد تقلب ميزان القضية رأسًا على عقب إذا ثبت أن مستندًا ما قد جرى التلاعب به.
لكن السؤال الذي يتكرر على ألسنة المتقاضين والمحامين هو: هل يجوز الطعن بالتزوير أكثر من مرة؟
الإجابة ليست بسيطة كما يعتقد البعض. فالقانون، وإن كان يضع قواعد واضحة، إلا أنّه يترك أيضًا مساحة واسعة للاجتهاد القضائي، خاصة حين يتعلق الأمر بالدفوع الإجرائية الحساسة مثل دفع التزوير.
وبين القاعدة العامة التي تحصر الطعن بالتزوير في مرة واحدة، والاستثناءات التي يفتح فيها القضاء باب الطعن من جديد، يتشكل مشهد قانوني معقد يستحق الوقوف عنده بتفصيل.
أولًا: ما هو الطعن بالتزوير ولماذا تُعد إثارته خطوة مفصلية؟
الطعن بالتزوير هو دفع يثيره أحد الخصوم للطعن في صحة محرّر قدمه الطرف الآخر، مدعيًا أنّه مزور كليًا أو جزئيًا.
هذا الطعن يوقف غالبًا نظر الدعوى الأصلية، ويحوّل الاهتمام إلى تحقيق دقيق قد يشمل الخبرة الفنية، فحص الخطوط، مراجعة الأختام، وتحليل الظروف المحيطة بالمستند.
وبسبب خطورته، يعتبره القانون دفعًا استثنائيًا؛ فالطعن بالتزوير يعني عمليًا اتهامًا بالتلاعب في الدليل، وهو أمر له تبعات مدنية وربما جنائية.
من هنا تأتي حساسية السؤال: هل يمكن تكرار هذا الاتهام؟
وهل يمنح القانون فرصة ثانية لمن طعن وسقط طعنه أو لم يُقبل؟
ثانيًا: القاعدة العامة… الطعن بالتزوير لا يُمارس مرتين أمام الجهة ذاتها
القانون في معظم الدول العربية — ومنها مصر ودول الخليج — يتفق على قاعدة أساسية:
الطعن بالتزوير كدفع إجرائي لا يجوز استعماله مرتين أمام المحكمة ذاتها وبنفس الأسباب.
بمعنى:
- إذا طعن متقاضٍ بالتزوير على محرّر ما،
- ثم سقط طعنه أو تم رفضه أو لم يستوفِ شروطه،
- فلا يحق له أن يعيد الطعن بالتزوير مرة أخرى على النسخة نفسها و للسبب نفسه، وأمام المحكمة ذاتها.
هذه القاعدة تستند إلى منطق قانوني بسيط:
الإجراءات القضائية يجب أن تكون مستقرة، ولا يجوز إعادة فتحها بنفس المبررات كلما شاء أحد الخصوم، وإلا لتعطلت العدالة.
لكن الواقع العملي في قاعات المحاكم يكشف أنّ هذه القاعدة ليست مطلقة دائمًا، ففي القانون الاستثناءات كما في قواعد المرور.
ثالثًا: متى يمكن الطعن بالتزوير للمرة الثانية؟
على الرغم من صرامة القاعدة، فإن القانون والقضاء اعترفا بأن الحياة العملية لا تسير دائمًا في خط مستقيم؛ لذا وضعا عدة حالات تسمح بإعادة الطعن بالتزوير مرة أخرى، شريطة وجود مبرر قوي أو مسار قضائي مختلف.
1. وجود عذر قهري: “القضاء لا يكلّف نفسًا إلا وسعها”
قد يسقط طعن بالتزوير لأسباب إجرائية، مثل:
- عدم حضور الطاعن أمام الخبير
- عدم سداد الأمانة
- عدم تقديم المستندات المطلوبة
- مرض أو حادث منع الطاعن من متابعة الإجراءات
- خطأ إداري أو ظرف خارج عن الإرادة
في مثل هذه الحالات، يتسامح القضاء — وفقًا لاجتهادات متعددة — ويجيز إعادة تقديم الطعن بالتزوير مرة أخرى، باعتبار أن الطعن الأول لم يسقط بإرادة الطاعن بل بسبب عذر قهري.
وهنا يُطبق مبدأ قضائي معروف:
“العذر القهري يعيد المواعيد ويُعيد الإجراءات إلى نقطة الصفر.”
لكن يجب أن يكون العذر حقيقيًا وثابتًا، وليس مجرد ادعاء لتأخير القضية أو إرباك المحكمة.
2. الطعن أمام محكمة أعلى: النقض باب جديد للطعن
حتى لو أغلق باب الطعن بالتزوير أمام محكمة أول درجة أو الاستئناف، يظل هناك منفذ في مرحلة النقض، بشرط توافر شرط محوري:
ألا يكون الطاعن قد علم بالتزوير أثناء نظر الدعوى أمام محكمة الموضوع.
بمعنى أن الطعن هنا ليس طعنًا إجرائيًا جديدًا، بل سبب طعن أمام النقض يتعلق بالدليل الذي بُني عليه الحكم.
هذا الاعتبار يجعل من الطعن بالتزوير في النقض مرحلة مختلفة تمامًا، حيث لا يشترط أن يكون نفس الطعن قد سبق تقديمه، لأن محكمة النقض تنظر في:
- سلامة الاستدلال
- صحة حكم الأدنى درجة
- ومدى تأثير المستندات المطعون عليها على النتيجة النهائية
وبالتالي، يكون الطعن بالتزوير هنا طعنًا موضوعيًا وليس إجرائيًا، ما يعني أنه لا يتعارض مع القاعدة العامة.
3. النقض للمرة الثانية: “حكم في الموضوع لا محالة”
في حال عاد ملف الدعوى إلى محكمة النقض للمرة الثانية، فإن القاعدة القانونية المعروفة تقول:
إذا نُقض الحكم للمرة الثانية، تفصل محكمة النقض في الموضوع بنفسها.
وفي هذه الحالة، يكون الطعن بالتزوير جائزًا فقط إذا كان متعلقًا بما طُعن عليه في المرة الأولى، وضمن أسباب لم يُحسم أمرها بعد.
أي لا يمكن فتح ملفات جديدة، ولكن يمكن إعادة طرح القضية نفسها بكل أركانها — بما فيها التزوير — أمام النقض باعتبارها جهة الفصل الأخيرة.
4. اختلاف أسباب الطعن: إذا تغير السبب تغيّر المآل
رفض الطعن بالتزوير لا يعني بالضرورة عدم إمكانية الطعن من جديد إذا كان الطعن الثاني مبنيًا على سبب مختلف.
مثال:
- الطعن الأول كان على توقيع
- الطعن الثاني على صلب المستند
- أو أن الطعن الأول تعلق بورقة معينة، والثاني بورقة أخرى
اختلاف السبب هنا يعني أننا أمام طعن جديد كليًا، وليس تكرارًا لما سبق رفضه.
رابعًا: حالات لا يجوز فيها أبدًا الطعن بالتزوير مرة أخرى
مثلما وضع القانون استثناءات، وضع أيضًا حدودًا لا يمكن تجاوزها.
1. الطعن مرتين على القرار نفسه أمام المحكمة نفسها
هذا هو المنع المطلق.
مجرد إعادة تقديم طعن بالتزوير بنفس الأسباب ونفس المحرر أمام نفس الدائرة يعدّ مخالفًا للإجراءات، والمحكمة ترفضه شكلاً دون الدخول في الموضوع.
2. أمام محكمة النقض: لا طعن مرتين على حكم واحد
إذا قُدم طعن بالنقض وطُعن فيه بالتزوير، فلا يجوز إعادة تقديم طعن جديد بالنقض على الحكم نفسه بحجة تزوير نفس المستندات.
هذا لأن القانون لا يقبل تعدد الطعون بالنقض على الحكم الواحد.
3. بعد الحكم النهائي: سلاح “إعادة النظر” هو الحل
عندما يصدر الحكم النهائي ويغلق باب الطعون، يصبح الطعن بالتزوير غير ممكن، إلا عبر مسار قانوني آخر هو:
“التماس إعادة النظر” أو “إعادة المحاكمة”
وفقًا لشروط محددة تختلف من دولة لأخرى، مثل:
- ظهور دليل جديد
- إثبات تزوير مؤثر لم يكن معروفًا
- خطأ جوهري في الحكم
وهنا لا يسمى الإجراء “طعنًا بالتزوير” رسميًا، لكنه يعتمد في جوهره على إثبات التزوير كسبب لإعادة فتح القضية.
خامسًا: لماذا هذا التوازن بين المنع والإجازة؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن القانون متناقض حين يمنع الطعن بالتزوير مرة، ثم يسمح به مرة أخرى في حالات أخرى.
لكن الحقيقة أن السر يكمن في محاولة تحقيق توازن بين شيئين أساسيين:
1. منع التعسف وإطالة التقاضي:
لو سمح القانون بتكرار الطعن بالتزوير بلا ضوابط، لأصبحت المحاكم مسرحًا للمماطلة، ولتعطل الفصل في الحقوق.
2. ضمان العدالة ومنع ضياع الحق بسبب خطأ إجرائي أو ظرف قهري:
قد يفقد أحد الخصوم حقه في الطعن بالتزوير بسبب ظرف قهري أو عدم تمكنه من تقديم دليل جديد في الوقت المناسب، فيظلم ظلمًا كبيرًا.
لذلك سمحت التشريعات بفتح الباب مرة أخرى إذا وُجدت مبررات قوية.
سادسًا: رأي الفقه والقضاء… بين النص والتطبيق العملي
الفقه القانوني العربي غالبًا ما يتجه إلى التأكيد على أن التزوير يؤثر في النظام العام وأن للمحكمة من تلقاء نفسها أن تتصدى للمستند المزور إذا تبين لها ذلك.
من جهة أخرى، تؤكد أحكام محاكم النقض العربية على أن:
الطعن بالتزوير مسألة خطيرة، والمحكمة تملك سلطة تقديرية واسعة في قبوله أو رفضه، وفي السماح بتقديمه مرة أخرى إذا وجدت ظروفًا استثنائية.
وبالتالي، فإن القاعدة ليست جامدة، بل تحكمها مصلحة العدالة قبل النص الجامد.
سابعًا: خلاصة شاملة – متى يجوز ومتى لا يجوز؟
يجوز الطعن بالتزوير مرة أخرى إذا:
✔ وُجد عذر قهري منع الطاعن من متابعة الطعن الأول
✔ الطعن الثاني قُدم أمام محكمة أعلى (مثل النقض)
✔ الطعن يستند إلى سبب جديد أو يطعن على جزء مختلف من المستند
✔ النقض كان للمرة الثانية والمحكمة ستفصل في الموضوع
✔ ظهر دليل جديد لم يكن ممكن الحصول عليه من قبل
ولا يجوز الطعن بالتزوير مرة أخرى إذا:
✘ كان الطعن الثاني هو نفسه الأول وبنفس الأسباب
✘ قدم أمام المحكمة نفسها التي رفضت الطعن الأول
✘ كان يتعلق بحكم نهائي لا مجال للطعن عليه إلا بإعادة النظر
✘ كان الهدف منه تعطيل الدعوى دون سبب جدي
ختامًا: الحقيقة القانونية… ليست دائمًا بالأسود والأبيض
الطعن بالتزوير ليس مجرد إجراء تقني، بل هو سلاح قانوني حساس يمسّ جوهر العدالة.
والإجابة عن سؤال “هل يجوز الطعن بالتزوير مرتين؟” لا تكون بنعم أو لا، بل هي مزيج من:
- النص القانوني،
- وسلطة المحكمة،
- وسلامة النية،
- والظروف المحيطة بكل قضية.
إنه باب قد يُغلق مرة، لكنه قد يُفتح من جديد إذا كانت العدالة تحتاج إلى ذلك.
وهذا ما يجعل القانون حيًا… يتحرك مع الواقع ولا يتجمد أمامه.
