ماي سيما W Lana Fl Khayal Review – فيلم موسيقي رومانسي يعيد تعريف السينما المصرية في 2025

ماي سيما W Lana Fl Khayal Review

منذ مشاهده الأولى، يأخذنا فيلم “و لنا في الخيال… حب؟” إلى عالمٍ تتعانق فيه الموسيقى مع الذاكرة، وتتماهى فيه الحركة مع الألم والشفاء. في الهدوء الليلي لشوارع الزمالك، ينسج الفيلم — وهو التجربة الإخراجية الطويلة الأولى لسارة روزِك — حكاية ثلاثة أرواح تبحث كل منها عن الخلاص: طبيب مثقل بالماضي، شابة تقاتل من أجل مستقبلها، وحالم يعيش نصفه في الواقع ونصفه الآخر في عالم متخيّل.

إنه عمل سينمائي نادر في لغته البصرية، مفعم بالرومانسية، ومشحون بالعاطفة. يقدم موسيقى لا تعلو على الدراما بل تنسجم معها، ورقصًا لا يُقحم على القصة بل ينبثق منها، وسردًا يذكّرنا بأن السينما المصرية قادرة على الابتكار حين تُمنح المساحة لذلك.


الحكاية: ثلاث قلوب تسير على حافة الوجع

يرتكز الفيلم على ثلاث شخصيات ترتبط بخيوط معقدة من الحب والفقد والحنين:

يوسف — الطبيب الذي ابتلعته الذكرى

يعود يوسف، طبيب الموسيقى في الكونسرفتوار، إلى القاهرة بعد فترة قضاها في ألمانيا، حاملاً في حقيبته ذكرى زوجته الراحلة. تحوّلت حياته إلى عزلة خانقة، لا يرى فيها الناس ولا يسمح لأحد برؤية ما تبقى من روحه.

وردة — شابة تقاوم العالم والعاطفة معًا

بعكس يوسف، تقف وردة على عتبة الحياة بكل ما فيها من ضجيج. فتاة عملية، طموحة، تؤمن بالفرص لا بالأحلام. أحبّت نوح منذ الطفولة، لكن عندما جمعهما القدر مجددًا في عمر الثامنة عشرة، اكتشفت أن الحلم الذي تربت عليه قد لا يكون هو المستقبل الذي تريده.

نوح — الحالم الذي يرى العالم راقصًا

نوح شاب عاشق للباليه والموسيقى، يعيش نصف حياته فوق الخشبات والنصف الآخر داخل خياله. صدامه بالواقع يبدأ عندما يقع في حب فتاة غامضة تراها عيناه في الشقة المقابلة — قبل أن يكتشف أنها ليست فتاة، بل دمية صنعها يوسف تخليدًا لذكرى سلمى، زوجته الراحلة.

هذا الاكتشاف يهز علاقة نوح ووردة من جذورها. لكن وردة، بطبيعتها التي لا تستسلم، تحاول لملمة ما تبقى من قصتهما، بمساعدة يوسف الذي لا يريد أن يساعد لكنه يجد نفسه يفعل ذلك على أي حال.


حبكات الحب: طبقات من العاطفة لا تشبه بعضها

وردة و نوح — حكاية تنبض بما بين الخيال والواقع

علاقتهما لينة كرقصة باليه لكنها هشّة كحلم. هما في العمر نفسه، لكنهما يعيشان في عوالم عاطفية مختلفة: نوح يطير، ووردة تمشي على الأرض بثبات.

يوسف وسلمى — الحب الذي لم يعرف للنهاية معنى

خيط الحزن في الفيلم ينبثق من هذا الحب. يوسف لا يُظهر حزنه بصوت مرتفع، بل يصنع له تمثالًا من الصمت: دمية تشبه سلمى، تعيش معه وتحاوره في مخيلته. ليست مجرد دمية، بل مرآة لوجعه ورفضه للوداع.

يوسف ووردة — علاقة ليست حبًا بل شفاء

يبني الاثنان رابطًا من نوع آخر. وردة تعيد الضوء إلى منزل يوسف، ويوسف يمنحها توازنًا كانت تفتقده. علاقة أقرب إلى الأخوّة، مليئة بالثقة، لا بالاعتماد ولا بالافتتان.


الأداء التمثيلي: ثلاث طاقات، ثلاث مسارات

أحمد السعدني — يوسف الذي يتنفس الألم

في واحد من أكثر أدواره نضجًا، يجسد السعدني ملامح رجل محاصر في الحداد. صوته، خطواته، وحتى صمته، كلها تنبض بصدق لا يحتاج إلى مبالغة.

ميان السيد — وردة، نبض الفيلم

تنقل ميان الشخصية من فتاة متعبة إلى امرأة تجد لنفسها موطئ قدم. أداؤها رقيق، لكن قوته تأتي من التفاصيل: نظرة عين، تنهيدة تفلت منها، موقف تسنده لا تنهار فيه.

عمر روزِك — مفاجأة الفيلم

في أول بطولة له، يقدم عمر روزك شخصية نوح بخفة راقص وعمق ممثل. صوته، حركته، ارتباكه، وثقته؛ كل هذا يمنحه حضورًا يليق بشخصية تحيا في عالمين.


الإخراج: عندما يصبح الخيال لغة سينمائية

لمن أحبوا La La Land، سيجدون شيئًا مألوفًا في ضوء “و لنا في الخيال… حب؟”. لكن سارة روزك لا تقلّد، بل تبني جسورًا بين الموسيقى والدراما الشرقية، وتعيد صياغة التجربة في إطار مصري خالص.

جرأتها واضحة:

  • الرقص جزء من السرد لا زينة بصرية.
  • الغناء يكشف المشاعر ولا يشرحها.
  • الخيال يطلّ بلمسة شاعرية لا تفقد الواقع معناها.

بهذا الفيلم، تدخل روزك إلى الساحة كصوت إبداعي جديد، يفتح بابًا جديدًا على ما يمكن للسينما المصرية أن تكون عليه.


الصورة والديكور: فان جوخ في الزمالك

إبداع المخرج الفني حمزة طه يظهر في كل مشهد:

مشاهد نوح

ألوان متماوجة، خطوط حلزونية، وانسياب بصري يذكّر بلوحة Starry Night. عالم مشبع بالخيال، يليق بحالم يرقص أكثر مما يمشي.

مشاهد وردة

ألوان مشرقة، إضاءة واسعة، حركة نشيطة. تعكس روحها العملية وحضورها الواقعي في الفيلم.

شقة يوسف

ظلام باهت في البداية، ثم ضوء يدخل تدريجيًا كلما تحركت مشاعره. المكان يتحول معه، كأنه جزء من حالته النفسية.


الموسيقى: قلب الفيلم النابض

بصمات خالد حماد تظهر في كل لحن. موسيقاه ليست مجرد خلفية، بل شريك في الحكي.

  • في لحظات الرقص، تمنح المشاهد خفة وانسيابًا.
  • في لحظات المواجهة، تضيق وتثقل.
  • في الصمت، تتوارى بذكاء وتترك للمشهد أن يتنفس.

إنها موسيقى تنتمي إلى الفيلم كما تنتمي نبضات القلب إلى الجسد.


الحكم النهائي

فيلم “و لنا في الخيال… حب؟” عمل نادر، جريء، ومكتوب بلغة جديدة على السينما المصرية. فيلم يطالب مشاهديه بأن يشعروا، لا أن يراقبوا. يمزج الرومانسية بالموسيقى، والدراما بالخيال، دون أن يفقد جذوره المحلية.

إنه تجربة تستحق المشاهدة — ليس فقط لمحبي الرومانسية والموسيقى، بل لكل من ينتظر أن يرى السينما المصرية تخرج من حدود المعتاد نحو آفاق أكثر شاعرية وابتكارًا.

Scroll to Top