
يشهد مهرجان مراكش السينمائي هذا العام عرض الفيلم المرتقب الست للمخرج مرجان حامد، وهو عمل سينمائي يروي حياة أيقونة الموسيقى المصرية أم كلثوم (1904-1975). يحمل الفيلم عنوانًا بسيطًا ومعبّرًا، الست، في إشارة مباشرة إلى لقبها الشهير الذي يوازي عظمة أساطير الشرق، إذ قورنت مرارًا بصوتها بصوت إديث بياف وآريثا فرانكل وماريا كالاس، وامتد الإعجاب بصوتها إلى شخصيات غربية مثل بوب ديلان وروبرت بلانت.
رؤية المخرج: الفخامة مقابل العمق الشخصي
يُبرز مرجان حامد في الست مكانة أم كلثوم كـ “نجمة الشرق” و”الهرم الرابع”، لكن الفيلم يقدم الشخصية وراء الأسطورة بشكل متقطع فقط. الإنتاج الفخم للمشاهد التاريخية والممثلين يستحوذ على مساحة كبيرة من الشاشة، أحيانًا على حساب الصوت الذي نكن له الإعجاب، حيث نسمع فقط لمحات مقتضبة من أغانيها، أحيانًا مصحوبة بأوركسترا ضخمة تقلل من حميمية الأداء.
عرض الفيلم في مراكش يعدّ تحضيرًا للعرض في مهرجان روتردام ضمن استعراض لأعمال المخرج حامد، ومن المتوقع أن يلقى استحسان الجماهير العربية عامة، رغم أنه قد يكون ثقيلًا بعض الشيء بالنسبة للمتابعين السينمائيين الأكثر تطلعًا إلى تحليلات دقيقة للشخصية.
الملحمة الزمنية: من دلتا النيل إلى قمة المجد
يبدأ الفيلم في عام 1967، في حفل فاخر بباريس في قاعة لو أوليمبيا، حيث تظهر أم كلثوم وهي تمثل مصر في أعقاب حربها مع إسرائيل. هذه البداية الطويلة والمكثفة تقدم صورة مبهرة لعظمتها، لكن التركيز على مديح الجمهور الدولي يخفي أحيانًا الجوهر الإنساني للشخصية.
ثم يعود الفيلم إلى طفولتها في دلتا النيل، حيث نشأت في أسرة فقيرة ورافقت والدها الإمام الشيخ بلتاجي (سيد رجب) لتغني في الأعراس، بما فيها الأعراس التي اندلعت فيها مشاجرات عائلية عنيفة. وفي عشرينيات القرن الماضي، تصل أم كلثوم (مونا زكي) إلى القاهرة بناءً على دعوة من وكيل مواهب، بينما يصر والدها على أن تكتفي بالغناء الديني. المواجهة مع جمهور العاصمة المتجدد تكشف عن رفض أو سخرية، إلى أن تساعدها ابنة أحد الباشاوات في تكوين صورتها الأنيقة والمعروفة لاحقًا باسم الست.
أحداث محورية وحياة غنية بالتفاصيل
يتنقل الفيلم بين أحداث حياتها الرئيسية، باللونين الأبيض والأسود، بما في ذلك لقاؤها مع الشاعر أحمد رامي (محمد فرج) مؤلف بعض أعظم أعمالها، ولحظة تهديد الموسيقار محمد القصبجي (تامر نبيل) بالسلاح احتجاجًا على احتمال أن تتخلى عن الغناء. هناك لمحات عن حياتها العاطفية، بما في ذلك علاقة عابرة مع أحد معاوني الملك فاروق، التي أجهضتها الأميرة. كما يظهر احترامها وتقديرها في مصر ما بعد الثورة، خاصة من الرئيس جمال عبد الناصر.
أم كلثوم تظهر كشخصية قوية ومستقلة، تدير موسيقاها وأعمالها التجارية بحزم: “أنا لا أغني أغانٍ خفيفة أو مرحة”، عبارة تعكس عنادها وتمسكها بأسلوبها الفني.
الجانب الإنساني المفقود
رغم الاستعراض التاريخي الضخم، يقدم الفيلم لمحات محدودة عن الألم الشخصي والعزلة التي عاشتها أم كلثوم في منتصف العمر. اللحظات الرومانسية شبه خجولة، مثل زيارتها للأهرامات مع معجب سياسي، تضيف بعدًا إنسانيًا دافئًا، لكنه يبقى ضعيفًا مقارنة بالصور الفخمة التي يركز عليها الفيلم.
الممثلة مونا زكي، التي عادت لتوه من فيلم Flight 404، تكافح لإظهار شخصية أم كلثوم الحقيقية وراء القناع والمكياج الرسمي، وهو ما يجعل الشخصية تبدو أحيانًا جامدة وبعيدة عن الحياة اليومية أو المشاعر العميقة.
الافتقار للصوت الحقيقي
أكبر إخفاق للفيلم، وفق النقاد، هو عدم السماح لصوت أم كلثوم بالسطوع بحرية. فالمشاهد الموسيقية غالبًا ما تكون مقتضبة، أحيانًا مرفقة بأوركسترا ضخمة، ما يحجب الحميمية والإحساس الحقيقي الذي جعل ماريا كالاس تصفه بـ “الصوت الذي لا يُقارن”.
الجانب الفني والإنتاجي
الست عمل مشترك بين عدة شركات إنتاج: Film Square، Synergy Films، Film Clinic، Big Time Fund، Luxor Studios، Oscar Picture، وبإشراف مجموعة من المنتجين مثل أحمد بدوي، تامر مرسي، محمد حفظي، مرجان حامد، فادي رحيم، وائل عبد الله.
السيناريو كتبه أحمد مراد، والتصوير السينمائي قام به عبد السلام موسى، بينما تولى أحمد حافظ مهمة المونتاج. تصميم الإنتاج كان من محمد عطية، والموسيقى من هشام نزيه. أما فريق التمثيل الرئيسي فيضم مونا زكي، محمد فرج، سيد رجب، تامر نبيل.
الخلاصة
على الرغم من فخامته الإنتاجية وسرده الضخم لتاريخ أم كلثوم، يظل فيلم الست تجربة ثقيلة ومبالغ فيها أحيانًا، تفشل في الكشف عن الشخصية الحقيقية وراء أسطورة صوتية لا تضاهى. مع ذلك، يمكن لعشاق الموسيقى العربية والجمهور العربي العريض الاستمتاع بهذه الرؤية السينمائية لعمر وإرث أيقونة الشرق الأوسط، مما يجعل الفيلم بلا شك حدثًا سينمائيًا بارزًا هذا الموسم.
للمهتمين بعالم السينما العربية وبيوغرافيات النجوم الكبار، يمكن متابعة الفيلم قريبًا على ماي سيما، حيث من المتوقع أن يجذب اهتمام جمهور واسع من محبي السيرة الذاتية والفن الكلاسيكي.
