ماي سيما | الحاجة نبيلة: صوت القرية الذي خطف قلوب المصريين

ماي سيما | الحاجة نبيلة

في قرية سنهوت بمحافظة الشرقية، حيث تمضي الحياة على إيقاع الحقول وروائح الخبز الريفي، تعيش الحاجة نبيلة حياة بسيطة تشبه وجوه أهل الأرض. داخل مطبخ متواضع، يتصاعد بخار البامية والباذنجان، بينما تقف الحاجة نبيلة تُحرّك قدر الغداء، وتتمايل بصوتها على أغنية قديمة حفظتها وهي طفلة: “البامية شوكتني”.
لم تكن تعلم أن هذه اللحظة العفوية، وهي تغني وسط انشغالها بإعداد الطعام، ستصبح جسرًا يأخذ صوتها من مطبخ قريتها إلى كل بيت في مصر.

كان ابنها قد التقط لها الفيديو دون أن تشعر. وعندما نُشر على الإنترنت، لم يسمع الناس مجرد أغنية، بل سمعوا صوتًا من الأرض؛ صوتًا يحمل صدقًا فطريًا ودفئًا لا يُشبه أحدًا. سرعان ما انهالت التعليقات: مَن هذه السيدة؟ من أين يأتي هذا الصوت؟

في أيام قليلة، أصبحت الحاجة نبيلة حديث مصر. صوت خرج من قرية هادئة، ليصبح نجمًا بلا ضوء مصطنع، ولا استوديو، ولا تكلّف.


من “البامية شوكتني” إلى شارة مسلسل

تحكي الحاجة نبيلة عن اللحظة التي أدركت فيها أنها أصبحت “تريند”:
“الناس في القرية بدأوا يقولوا لي: سمعنا صوتك على النت. ما فهمتش في الأول، لحد ما ابني هيثم قال لي: ماما، إنتي بقيتي تريند.”

وتضحك وهي تتذكر موقفًا طريفًا:
“جه يقول لي: ماما افرحي… إنتي جبتي ترينج. قولتله: يا واد، هو أنا لابسة ترينج؟ ضحك وقال: لأ يا ماما، إنتي بقيتي تريند! الناس كلها شافتك.”

تلك اللحظة لم تغيّر حياته فقط… بل غيّرت حياتها كلها.


حين اختارها المخرجون… لأن صوتها “حقيقي”

لم يمر وقت طويل حتى وقعت المخرجة زينة أشرف عبدالباقي على الفيديو. انجذبت فورًا لهذا الصوت البريء، القادر على لمس القلب دون قواعد موسيقية أو دراسة.

اختارتها زينة لتغني شارة مسلسل “هات إيدي يا وِلاّ”.
تقول الحاجة نبيلة:
“سمعت صوتي وقالت لي فيه حاجة مختلفة. الأغنية كانت جميلة، والناس من كل الدول العربية بعتولي يباركولي.”

الأغنية من كلمات منة عدلي القيعي وألحان محمد يحيى.
سجلتها نبيلة كلمة كلمة، بجهد كبير، وبدعم من فريق العمل الذي أحب بساطتها.


“دار يا دار” … تريند جديد

لم تتوقف نجومية الحاجة نبيلة عند مسلسل واحد.
فقد شاركت في أغنية “دار يا دار” مع الفنان علي، من كلمات السيناريست باسم عادل، وحقق العمل انتشارًا واسعًا.

تقول: “كانت تجربة جديدة. علي لوكا أضاف لمسة مختلفة، والحمد لله الأغنية بقت تريند.”

هكذا أثبتت أن صوتها قادر على العبور بين الأجيال، من أغاني التراث إلى الموسيقى الشبابية.


صوت خرج من حياة صعبة

ورغم كل النجاح، لا تنسى الحاجة نبيلة الطريق الطويل الذي قطعتْه.

“حياتي كلها كانت شيل مسؤولية… البيت، والولاد، والأرض، والشغل. كنت بغني وأنا صغيرة، بس ماكنش ليا نصيب أطلع أو أظهر.”

تزوجت وعاشت عمرها مثل أي فلاحة مصرية. ربّت أبناءها، ثم تحملت وحدها بعد وفاة زوجها.
“لما جوزي مات، ربنا فتح لي باب. أصعب حاجة كنت بواجهها هي إني أصدق إن واحدة زيي لسه ليها فرصة.”

ورغم الشهرة، لا تزال تغني في أفراح قريتها.

“دي بلدي… وأنا من غيرهم ما أسواش حاجة. أحلى لحظات حياتي وأنا بغني في ليلة حنّة وسط ناسنا.”


ابنة القرية التي تمثل أهلها

حين تسافر أو تظهر على الشاشات، تحمل الحاجة نبيلة معها صورة قريتها.

“الناس في سنهوت فرحانين بيا. بيشوفوني في التلفزيون ويفرحوا كإني بنتهم. وأنا في كل مكان بقول إني من القرية، وبفتخر بده.”

وتتحدث عن الفنانين الذين شكّلوا ذوقها الغنائي:
“بعشق أم كلثوم… وجمالات شيحة… وأصوات كتير اتعلمت منها وأنا صغيرة.”

والموسيقى ليست غريبة عن عائلتها.
“هيثم بيغني معايا، وطارق بيعزف أورج وناي. وأبوهم الله يرحمه كان بيعزف ناي. الغُنا في دمّنا.”

وعن حياتها، تقول ببساطة:
“لو الزمن رجع بيا؟ هعيش نفس الحياة. بحب الغنا… وولادي بيحبوه.”


امرأة لم تبحث عن الشهرة… فوجدتها

الحاجة نبيلة لم تسعَ يومًا لأن تكون نجمة.
كل ما عرفته هو بيتها، وأرضها، وأغاني تُسلي القلب أثناء الطبخ أو العمل.
لكن صوتها، بكل عفويته ونقائه، عبر الحدود دون أن يقصد.

من مطبخ صغير في سنهوت، إلى شارات المسلسلات، إلى السينما عبر أغنيتها في فيلم “السادة الأفاضل”… أصبحت الحاجة نبيلة صوتًا يذكّر المصريين بجمال البساطة، وبالطاقة السحرية التي تُولد حين تغني روح لم تتغيّر.

إنها ليست مجرد موهبة خرجت من بين الحقول، بل شهادة على أن الأصوات الصادقة لا تحتاج مدارس… بل تحتاج لحظة تُلتقط فيها الحقيقة.

لحظة كان فيها قدر يغلي على النار.
وأغنية… وثقة ابن ضغط على زر “تسجيل”.

Scroll to Top