
بعد سنوات طويلة من الانتظار، وصل الست أخيرًا إلى دور العرض… ومع مشاهدته، بات واضحًا أنه ليس فيلم سيرة ذاتية اعتيادي على الإطلاق.
الست ليس مجرد سرد لحياة أم كلثوم، بل هو انطباع سينمائي، أو لوحة فنية تُبنى من ذاكرة ممزقة، وتفاصيل عاطفية، وصوت لا يزال يردد صداه عبر أجيال.
الفيلم لا يقدم سردًا تقليديًا من المهد إلى اللحد، بل يسعى إلى التقاط روح السيدة، أسطورتها، والعبء الهائل الذي حملته كامرأة أصبحت أيقونة ثقافية عربية بلا منازع.
من اللحظة الأولى، يعلن الفيلم بوضوح: الهدف ليس تقليد أم كلثوم، بل إعادة تأويلها — من خلال صور جريئة، وإيقاع بصري غني، وأداء محوري شديد العمق.
لكن، قبل الخوض في التفاصيل…
تنبيه مهم جدًا:
هذا الفيلم غير مناسب نهائيًا لمن يعانون من حساسية الضوء.
ماروان حامد يختار الاعتماد الكثيف على الومضات القوية والإضاءة العنيفة مع كل انتقال زمني، وهو خيار ترك معظم الحضور متألمين بصريًا، حتى دون وجود حساسية مسبقة.
والآن… إلى أهم ما في الفيلم: أداء منى زكي.
منى زكي في دور أم كلثوم: حضور… لا تقمّص
تقدم منى زكي واحدًا من أكثر أدوارها نضجًا. هي لا تحاول تقليد أم كلثوم صوتيًا أو جسديًا بشكل تقليدي، بل تمسك بجوهرها: الهيبة، الوقار، الإيقاع الهادئ، والنظرة التي تحمل ثقل الزمن.
التشابه الجسدي يتعزز عبر أدق التفاصيل:
النظارات، وضعية الوقوف، السكون المدروس، الحركة المحسوبة.
أداء منى في الـ lip-sync على صوت نسمة محجوب ليس فقط دقيقًا، بل يضيف بعدًا دراميًا عميقًا.
لكن اللحظات الأكثر تأثيرًا تأتي في المقاطع الإنسانية: توتر ما قبل الحفلات، قراءة هادئة في البيت، صحوة مفاجئة في منتصف الليل.
هذه التفاصيل تجعل أم كلثوم إنسانة قبل أن تكون أسطورة.
الأداء يتنقل بين الأزمنة بسلاسة، وتتعامل زكي مع ثقل كل مرحلة تاريخية ونفسية بأناقة وتحكّم.
المرأة خلف الصوت
من أجمل عناصر الفيلم أنه لا يقدّم أم كلثوم كرمز فقط، بل كامرأة لها مخاوفها، وحدتها، آلامها الصحية، وروتينها اليومي.
العلاقات العاطفية، التي يتناولها الفيلم عبر شخصيات يؤديها كريم عبد العزيز، سدكي سخر، ومحمد فراج، ليست محاولة للتوثيق، بل تجسيد للحقيقة الشعورية، وليست الحقيقة التاريخية.
قد يشعر البعض بالتشتت بسبب السرد غير الخطي، لكنه يقدم وضوحًا عاطفيًا في كل لحظة.
الصوت، والإضاءة، والإيقاع، يعملون كـ”مرشد” يأخذ المشاهد عبر موجات الذاكرة.
لغة الصورة… وزمن الحكاية
اختيار الأبيض والأسود ليس استدعاءً للحنين بقدر ما هو اختيار جمالي واعٍ.
الحبوب، الظلال الثقيلة، واللقطات الثابتة تعيد خلق ملمس الزمن وتمنح كل مشهد وزنه.
العناصر التاريخية — من قصر الملك فاروق إلى صعود عبد الناصر والوجود البريطاني — تظهر كخلفية طبيعية لعالم أم كلثوم، دون أن تطغى على قصتها.
الإبداع الفني يظهر بوضوح في:
- ديكور محمد عطية
- أزياء ياسمين القاضي
- مجوهرات عزة فهمي
- إخراج ماروان حامد المتقن
هذه العناصر لا تعيد بناء الماضي فقط… بل تجعلك تعيش داخله.
أداء جماعي يثري التجربة
الفيلم يستفيد كثيرًا من حضور طاقم داعم قوي:
أمينة خليل، أمير المصري، نيللي كريم، وأحمد حلمي، جميعهم يضيفون طبقات إنسانية للعالم المحيط بسومة.
أحمد رضوان يجلب خفة ظريفة بدوره كابن أختها ومساعدها، بينما يقدم سيد رجب ثقلاً وحضورًا مؤثرًا في دور والدها.
حتى الأدوار الصغيرة — دونا إمام، جنا الأشقر، علي صبحي — تركت أثرًا واضحًا.
الموسيقى… القلب النابض للفيلم
صوت نسمة محجوب ليس تقليدًا، بل تجسيد روحي.
الأغاني ليست فواصل أو عروضًا، بل نقاط تحول حكائية.
الصمت، وزوايا التصوير، وطريقة دخول الموسيقى، تجعل كل أغنية حدثًا شعوريًا يتجاوز الشاشة.
الفيلم يعامل صوت أم كلثوم على أنه البطلة الحقيقية.
الحكم النهائي
الست ليس فيلمًا لتحليل الوقائع، بل لمعايشة إحساس.
عمل يعتمد على الجو والذاكرة والعاطفة، أكثر من اعتماده على الخط الزمني.
نعم، الومضات الضوئية قد تكون مزعجة للبعض، لكنها لا تنتقص من جمال التجربة.
هذا ليس درس تاريخ…
بل صورة سينمائية جريئة لامرأة صنعت عصرًا.
تجعل أم كلثوم قريبة… دون أن تُفقدها أسطورتها.
التقييم: 9.5/10
العرض الأول في دور السينما المصرية والعربية ابتداءً من 10 ديسمبر.
