لفيلم Anaconda (2025) | عبر ماي سيما: عودة ذكية بنكهة ميتا… لكنها لا تعصر السم حتى آخر قطرة

Anaconda (2025) | عبر ماي سيما: عودة ذكية

في زمنٍ أصبحت فيه هوليوود أسيرة الحنين، لم يعد هناك تقريبًا أي عنوان سينمائي قديم يتمتع ولو بقدر ضئيل من الشهرة إلا وتفكّر الاستوديوهات في إحيائه من جديد. ريميك، جزء مكمل، “إعادة تخيّل”، أو حتى دمج عوالم… كل شيء مباح طالما أن الاسم مألوف. من هنا، قد يبدو قرار سوني إعادة إحياء فيلم Anaconda مجرد حلقة جديدة في سلسلة استنزاف النوستالجيا. لكن المفاجأة أن فيلم Anaconda (2025) لا يسلك الطريق الأسهل، بل يحاول – على الأقل – أن يكون أذكى من المتوقع.

الفيلم لا يقدّم ريميك مباشر لفيلم 1997، ولا جزءًا متأخرًا يستدعي أبطال الماضي، بل يختار مدخلًا ميتا ساخرًا: قصة عن أشخاص يحاولون صنع نسخة جديدة من Anaconda… قبل أن يجدوا أنفسهم عالقين داخل كابوس يشبه الفيلم الذي يسعون لتقليده. والنتيجة؟ تجربة مسلية، خفيفة الظل، مليئة بالنجوم، لكنها – للأسف – لا تصل أبدًا إلى أقصى إمكانياتها.

في هذه المراجعة عبر ماي سيما، نحلل فيلم Anaconda 2025 من حيث القصة، الأداء، الكوميديا، الرعب، وما إذا كان يستحق وقتك أم لا.


فكرة ذكية تناسب عصر “إعادة الإحياء”

يبدأ الفيلم مع غريف (بول رود)، ممثل فشل في تحقيق حلم النجومية في لوس أنجلوس. بعد سنوات من الإحباط، يعود إلى مسقط رأسه في بافالو، نيويورك، محاولًا استعادة شعور السعادة الذي كان يعيشه في شبابه، حين كان يصنع أفلامًا سخيفة مع أصدقائه بدافع الشغف لا الطموح التجاري.

حل غريف لأزمته الوجودية يبدو عبثيًا لكنه مفهوم: إعادة صنع أحد أفلامه المفضلة في الطفولة… Anaconda. وبطريقة ما، ينجح في الحصول على حقوق الفيلم، ويقنع صديقه المقرّب دوغ (جاك بلاك) – مخرج طموح يعمل حاليًا كمصور حفلات زفاف – بالانضمام إليه، إلى جانب صديقي الطفولة كيني (ستيف زان) وكلير (ثانديوي نيوتن).

الخطة؟ السفر إلى غابات الأمازون وصناعة فيلم رعب مستقل منخفض التكلفة، بروح ساخرة ووعي ذاتي كامل.
الواقع؟ أفعى عملاقة حقيقية تبدأ في مطاردتهم، لتتحول الكوميديا الميتا إلى معركة بقاء.

الفكرة في حد ذاتها قوية جدًا، وتعكس حالة السينما المعاصرة التي أصبحت تصنع أفلامًا عن فكرة صناعة الأفلام ذاتها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بإعادة تدوير العناوين القديمة.


بول رود وجاك بلاك: الكيمياء هي طوق النجاة

أكبر نقاط قوة الفيلم بلا شك هي الثنائية الرئيسية.
بول رود وجاك بلاك لم يجتمعا من قبل في بطولة حقيقية، رغم انتمائهما إلى نفس جيل الكوميديا في أوائل الألفينات. الكيمياء بينهما واضحة وسلسة، وتُشعرك فعلًا بأنهما صديقان منذ الطفولة.

بول رود يقدّم شخصية غريف بخليط من التفاؤل القسري والحنين، رجل يحاول الهروب من فشله عبر التمسك بأحلام قديمة. أداء رود كعادته بسيط، إنساني، ومحبب.

أما جاك بلاك، فرغم أنه يعتمد جزئيًا على أسلوبه المعروف، إلا أن الفيلم يقدّم انعكاسًا غير متوقع للديناميكية المعتادة.
دوغ هو الطرف المتردد، الحذر، الذي يحتاج إلى إقناع، بينما غريف هو المتهور. هذا القلب في الأدوار أضاف نكهة لطيفة، ومنع العلاقة من الوقوع في فخ التكرار.

حتى في اللحظات التي يضعف فيها النص، يظل وجود رود وبلاك كافيًا للحفاظ على الحد الأدنى من المتعة.


كوميديا تبدأ بقوة… ثم تتراخى

في نصفه الأول، ينجح Anaconda 2025 في تقديم لحظات كوميدية ذكية، خصوصًا عندما يسخر من جنون إعادة الإحياء في هوليوود.
أحد أفضل المشاهد هو حديث دوغ مع مديره (جون بيلينغسلي) الذي يخبره بمرح أن عليه أن يكون سعيدًا بحياة “B أو B+”، وهي جملة تختصر حالة جيل كامل من الفنانين الذين لم يصلوا للقمة ولم يفشلوا تمامًا.

كما أن تسمية السيناريو بـ The Anaconda كانت نكتة بسيطة لكنها فعّالة، لأن كل من تابع تاريخ السلاسل السينمائية يعرف أن الوصول إلى “The” أمر حتمي في مرحلة ما.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصل الأبطال إلى الأمازون. هنا، تتراجع الكوميديا تدريجيًا، وتصبح النكات متباعدة. الفيلم يعتمد أكثر على خفة ظل الممثلين بدلًا من مواقف مكتوبة بقوة. تشعر أحيانًا أن العمل متردد:
هل يريد أن يكون سخرية لاذعة؟
أم فيلم رعب خفيف؟
أم مغامرة كوميدية آمنة؟

هذا التردد يحدّ من تأثير الكثير من الأفكار الممتازة.


الرعب حاضر… لكن بخجل

رغم أن الفيلم يصنّف ككوميديا رعب، إلا أن عناصر الرعب فيه محدودة نسبيًا. نعم، هناك بعض قفزات الرعب (Jump Scares) الناجحة، وهناك أفعى ضخمة تتحرك بسرعة غير منطقية – كما يجب أن يكون الحال في هذا النوع من الأفلام – وبعض الجثث المشوهة هنا وهناك.

لكن الفيلم لا يستغل فكرته لأقصى حد.
مشاهدة صُنّاع فيلم رخيص وهم يواجهون فجأة رعبًا حقيقيًا كان يمكن أن تولّد لحظات سوداء، مرعبة ومضحكة في آنٍ واحد. بدلًا من ذلك، يختار السيناريو اللعب الآمن، ما يجعل الرعب موجودًا لكنه غير صادم أو مبتكر.


ميتا بلا أنياب حادة

المخرج والكاتب توم غورميكان، الذي سبق له تقديم The Unbearable Weight of Massive Talent، واضح جدًا في حبه للقصص الميتا. ومثل ذلك الفيلم، Anaconda يبدأ بفكرة جذابة، لكنه لا يذهب بعيدًا بما يكفي.

أحد أكبر الفرص الضائعة هو ظهور طاقم إنتاج ضخم تابع لسوني نفسها داخل القصة. كان بالإمكان استغلال هذا الخط للسخرية من الفارق بين السينما المستقلة والسينما التجارية، لكن الفيلم يمر عليه مرور الكرام تقريبًا.

الإخراج عمومًا نظيف وتقليدي، وأحيانًا يبدو محافظًا أكثر من اللازم، خصوصًا عندما تتطلب اللحظة جرأة بصرية أو سوداوية أكبر.


الأدوار المساندة: أداء متباين ولمعة واحدة قوية

ستيف زان يقدّم شخصيته المعتادة: غريب الأطوار، فوضوي، ومسلٍ. وجوده يضيف طاقة لبعض المشاهد، لكنه لا يُستخدم بكامل طاقته.

ثانديوي نيوتن، رغم استعدادها الواضح لتجربة شيء أكثر خفة، تبقى شخصيتها سطحية نسبيًا، ودورها يقتصر غالبًا على كونه اهتمامًا عاطفيًا محتملاً لغريف.

في المقابل، دانييلا ميلكيور تقدّم أداءً مقنعًا كفتاة محلية قوية تجد نفسها وسط هذه الفوضى، بينما يسرق سيلتون ميلو الأضواء بدور مروّض الأفاعي. طريقته الغريبة في الحديث، ووصفه للأشياء بأنها “أفعوانية”، أعادت للأذهان أداء جون فويت الغريب في فيلم 1997، وهو ما يبدو مقصودًا ومحببًا جدًا.


أغنية “Baby Got Back”… قرار عبثي بامتياز

لا يمكن تجاهل أحد أغرب عناصر الفيلم: استخدام أغنية Baby Got Back لـ Sir Mix-a-Lot كنغمة شبه رسمية للفيلم.
الأغنية لا علاقة لها بالقصة، ولا بالأجواء، سوى كلمة “Anaconda” التي وردت فيها كاستعارة.

ورغم ذلك، تُستخدم الأغنية في الإعلان، داخل الفيلم، وحتى في شارة النهاية. القرار عبثي… لكنه بطريقة ما ينسجم مع روح الفيلم الساخر. وربما يكون أكثر شيء لا يُنسى في التجربة كلها.


الخلاصة | تقييم ماي سيما

فيلم Anaconda (2025) ليس سيئًا، لكنه أيضًا ليس بالجرأة أو الذكاء الذي توحي به فكرته. عمل مسلٍ، خفيف، يعتمد بشكل كبير على كاريزما نجومه، ويصلح لمشاهدة عابرة، خاصة لمحبي بول رود وجاك بلاك.

لكن لمن كان يأمل في سخرية أعمق من ثقافة الريميكات، أو دمج أكثر جنونًا بين الرعب والكوميديا، فسيخرج بشعور واضح أن الفرصة كانت أكبر مما قُدِّم.

التقييم العام عبر ماي سيما:
🎬 تجربة ممتعة… لكنها بلا سم حقيقي.

Scroll to Top