
لا يأتي شهر رمضان إلى العالم العربي فجأة. بل يسبقه حراك واسع يبدأ قبل أسابيع، وتحديداً مع دخول شهر شعبان، حيث تبدأ البيوت والأسواق والمساجد في الاستعداد لاستقبال “الضيف الكريم”. ففي الوعي الجمعي العربي، رمضان ليس مجرد شهر للصيام، بل موسم روحي واجتماعي وثقافي يعيد تشكيل إيقاع الحياة اليومية، ويمنح المدن ملامح مختلفة لا تخطئها العين.
من القاهرة إلى الدار البيضاء، ومن الرياض إلى دبي، تتشابه الطقوس وتختلف التفاصيل، لكن الاستعداد لرمضان يظل عملية شاملة تمس الروح والبيت والمائدة والشارع.
استعدادات البيت… رمضان يبدأ من الداخل
مع اقتراب رمضان، تتحول البيوت العربية إلى خلايا نشاط. التنظيف العميق للمنازل يُعد من أولى الخطوات، وكأنه طقس رمزي لاستقبال شهر الطهارة والسكينة. في كثير من البيوت، لا يقتصر الأمر على التنظيف فقط، بل يشمل طلاء الجدران أو إجراء تغييرات بسيطة تمنح المكان شعوراً بالتجدد.
الزينة تحتل مكانة خاصة في هذا الاستعداد. الفوانيس الرمضانية، أو “الفوانيس”، تتصدر المشهد، خصوصاً في مصر ودول الخليج. تُعلَّق الأضواء الملوّنة على الشرفات والنوافذ، وتُزيَّن غرف المعيشة بعبارات ترحيبية مثل “رمضان كريم” و”أهلاً رمضان”. الأطفال يكونون في قلب هذا المشهد، إذ يرتبط الفانوس لديهم بذكريات الفرح والانتظار.
ولا تغيب الملابس الجديدة عن الاستعدادات. في السعودية والإمارات ودول أخرى، تحرص العائلات على شراء جلابيات وعبايات محتشمة تُرتدى في صلاة التراويح والزيارات العائلية، في امتداد لتقليد قديم يرى في رمضان مناسبة للتجمل دون إسراف.
المطبخ… القلب النابض لرمضان
قبل أن يعلن المفتي ثبوت رؤية الهلال، تكون المطابخ العربية قد دخلت مرحلة الاستعداد القصوى. التسوق الرمضاني يشهد ذروته في الأيام الأخيرة من شعبان، حيث تمتلئ الأسواق بعربات التمر والمكسرات والفواكه المجففة، وتزدحم المحال بعبوات العصائر التقليدية مثل قمر الدين والتمر الهندي.
في دول مثل مصر والسعودية والإمارات، تعتمد كثير من العائلات على سياسة “التحضير المسبق”. تُجهَّز كميات كبيرة من السمبوسة، والكبة، والعجائن المختلفة، ثم تُخزَّن في المجمّدات، بهدف توفير الوقت خلال الشهر للتفرغ للعبادة والراحة.
التحضير لا يقتصر على التخزين فقط، بل يمتد إلى التخطيط. لكل بيت قائمته الخاصة بأطباق رمضان: الهريس في الإمارات، الحريرة في المغرب، المحشي في مصر، والشوربات الدافئة التي تكاد تكون حاضرة يومياً على موائد الإفطار في مختلف الدول العربية.
شعبان… التهيئة الروحية قبل الصيام
في الجانب الروحي، يُنظر إلى شهر شعبان باعتباره تمهيداً لرمضان. كثير من المسلمين يكثرون من الصيام التطوعي خلاله، تدريباً للجسد والنفس على الصيام الطويل. كما تشهد المساجد والمنازل زيادة ملحوظة في تلاوة القرآن، في محاولة لبناء عادة تستمر طوال الشهر الفضيل.
التوبة ومراجعة النفس تحتلان حيزاً مهماً من هذه المرحلة. يضع كثيرون لأنفسهم أهدافاً واضحة: ختم القرآن مرة أو أكثر، الالتزام بصلاة التراويح، تحسين الأخلاق، أو قطع عادات سلبية. هذا البعد التخطيطي يعكس وعياً متزايداً بأن رمضان ليس شهراً عابراً، بل فرصة للتغيير.
التكافل الاجتماعي… روح رمضان الحقيقية
الاستعداد لرمضان في العالم العربي لا يكتمل دون بعده الإنساني. الزكاة والصدقات تتصدر أولويات الأسر، حيث يُبادر كثيرون إلى تنظيم إخراج زكاة المال قبل بداية الشهر أو في أيامه الأولى.
في دول الخليج، خاصة الإمارات والسعودية، تنتشر مبادرات مجتمعية واسعة مثل “إفطار صائم” و”ثلاجات رمضان”، التي تُوضع في الأحياء العامة وتُملأ بالوجبات والمياه لتكون متاحة للعمال والمحتاجين. هذه المبادرات باتت جزءاً أصيلاً من المشهد الرمضاني، وتعكس ثقافة العطاء المتجذرة في المجتمعات العربية.
كما يظل تبادل أطباق الطعام بين الجيران تقليداً راسخاً، يعزز الروابط الاجتماعية ويحوّل الإفطار إلى مناسبة جماعية تتجاوز حدود الأسرة الواحدة.
طقوس خاصة… تنوع في الموروث الشعبي
لكل منطقة عربية بصمتها الخاصة في استقبال رمضان. في الإمارات وبعض دول الخليج، يُحتفل بليلة “حق الليلة” في منتصف شعبان، حيث يرتدي الأطفال ملابس تراثية ويجوبون الأحياء مرددين أهازيج شعبية لجمع الحلويات، في تقليد يعلن اقتراب الشهر الفضيل.
وفي منتصف رمضان، تتكرر الأجواء الاحتفالية مع “القرقيعان”، حيث تعود الأغاني الشعبية والملابس التراثية، لتمنح الشهر طابعاً احتفالياً خاصاً، خصوصاً للأطفال.
الأسواق الرمضانية أيضاً جزء من هذه الطقوس، إذ تمتد ساعات العمل في المراكز التجارية، وتُقام أسواق ليلية تبيع كل ما يتعلق برمضان، من الطعام إلى الزينة والهدايا.
تغيير إيقاع الحياة
مع اقتراب رمضان، تبدأ الحكومات والمؤسسات في تعديل جداول العمل. في دول مثل الإمارات، تُخفَّض ساعات العمل للموظفين، مسلمين وغير مسلمين، مراعاة للصيام وتغير نمط النوم.
الأفراد بدورهم يبدؤون في ضبط ساعات نومهم تدريجياً، استعداداً للاستيقاظ على السحور وأداء صلاة الفجر، ثم السهر ليلاً لصلاة التراويح والأنشطة الاجتماعية.
رمضان… أكثر من شهر
في المحصلة، الاستعداد لرمضان في الدول العربية ليس مجرد تحضير للصيام، بل عملية متكاملة تعكس مكانة الشهر في الوجدان الجمعي. هو موسم تتلاقى فيه العبادة مع العائلة، والتقاليد مع الروح، والطعام مع القيم. وحين يهل الهلال أخيراً، يكون المجتمع كله قد أصبح مهيأً لاستقبال شهر لا يشبه غيره، شهر يعيد ترتيب الأولويات، ويذكّر الناس بما هو أعمق من تفاصيل الحياة اليومية.
