
فيلم «ليدي» للمخرجة النيجيرية أوليف نووسو، المنافس في مسابقة الدراما العالمية بمهرجان صندانس 2026، يقدم تجربة سينمائية حميمية ومركزة على الشخصيات، يغوص مباشرة في شوارع لاغوس الصاخبة، حيث السيارات الزاحفة وأصوات الأبواق والباعة المتجولين تملأ الفضاء، فيما يصرخ المذيع الإذاعي DJ Revolution ضد فساد المدينة ويحث السكان على الثورة على السلطة القائمة. جملة واحدة منه تصف الواقع بمرارة: «معظمنا يختار بين الفطور والغداء، والآن الرئيس بصق على عشاءنا».
في قلب هذه المدينة المزدحمة، نجد بطلتنا، سائقة التاكسي التي اشتهرت بلقب ليدي كونها من القلائل اللواتي يقودن سيارات الأجرة في المدينة. حلمها الهروب إلى فريتاون حيث يمكن أن تبدأ حياة جديدة مليئة بالكرامة، يبدو بعيد المنال. هي تحسب كل أرباحها بدقة، معتقدة أن الانضباط قد يقودها إلى خلاصها. لكن عودة صديقتها القديمة بينكي، التي تحولت إلى عاملة جنس، تغيّر مسار خطتها. بينكي تقنعها بالعمل كسائقة لعاملات الجنس، لتأمين لقمة العيش، ويصبح خيارها نتاج ضرورة وليس رغبة.
من خلال بينكي، نتعرف على دائرة النساء اللواتي يملكن الليل، ويمارسن أقدم مهنة في العالم. يتضح أيضًا أن والدة ليدي كانت عاملة جنس، وتطل علينا ذكريات مشوشة من طفولتها، مشاهد مختصرة لمضايقات الرجال لها. العرض يتم من منظور الطفل، ما يوضح أثر هذا العالم على تكوين شخصية ليدي وعلاقاتها المعقدة مع الرجال والحب، مع تلميحات دقيقة إلى ميولها التي قد تتجاوز الإطار الجنسي التقليدي دون محاولة تصنيفها.
على الرغم من أعباء الماضي، تظهر ليدي امرأة قوية، واعية بذاتها، وحازمة، ليست شخصًا يمكن التلاعب به. ومع تعمقها في دائرة العاملات الليليّات، تتحول إلى شخصية حماية لهن، تشبه الأسرة التي تختارها بنفسها.
الفيلم يرسم صورة صارخة للفوارق الطبقية في لاغوس، حيث المنازل الفخمة تبرز ثراء القلة مقابل استنزاف الفقراء، بينما يزداد صوت الثورة لمذيع الراديو إلحاحًا. هذا التوتر المشحون ينعكس على البطلة نفسها، حتى تصل إلى نقطة الانفجار التي تتحرر فيها المدينة وداخلها من قيود الصبر والتحمل.
ما يميز «ليدي» هو فهمه العميق للحياة على هامش المجتمع. النساء في الفيلم لا يُصورن كضحايا بائسوات، بل ككيانات تجمع بين الصعوبة والفكاهة كوسائل للبقاء. الكاميرا، عبر تصوير ألانا ميخيا غونزاليس، تضفي على المدينة طابع النيونوير، مشبعة بالضوء والظل، لتصبح لاغوس نفسها شخصية فاعلة في الرواية.
وفي قلب هذا الفيلم، تتألق جيسيكا غابرييل أوجاه التي تتحكم بالشاشة من اللحظة الأولى. نص الفيلم يتتبع تحول شخصيتها من امرأة ترفض المشاركة في الثورة، إلى شخص يندمج مع نبض المدينة الغاضب. النهاية تترك المشاهد في لحظة تعليق، حيث لم تعد البطلة، ولا المدينة، قادرين على العودة إلى الاستقرار المؤقت السابق.
قد يكون الانتقال الأخير من صراع شخصي إلى اندلاع سياسي مفاجئًا قليلًا، لكنه منطقي موضوعيًا، ويؤكد على أن الفيلم أكثر من مجرد سرد فردي؛ إنه دراسة عن التضحية، والصدمة الممتدة عبر الأجيال، والصمود الضروري للبقاء والمقاومة.
«ليدي» يضع نفسه بين أبرز أفلام صندانس لعام 2026، ويؤكد على قوة السينما النيجيرية الجديدة في تقديم رؤى حقيقية عن الحياة على هامش المجتمع، مع مزيج متقن من الحميمية والدراما الاجتماعية والسياسية.
